قاسم
21-01-2004, 00:58
زياد الرحباني ل<<السفير>> في مقابلته الأولى منذ ثلاث سنوات
تشعرني الهجمة الأميركية على المنطقة بأنني مسلم
ضحى شمس
من زمان لم يطل علينا زياد الرحباني. من زمان لم يفتح شباك بيته المطل على الشارع العام ليقول ما نفكر به بطريقة أحلى وأدق وأظرف مما نستطيع التعبير عنه. والأمر ليس من عادات زياد. ذلك انه كلما هز حدث خطير البلد او المنطقة، يلتفت الشارع الذي يطل عليه منزل الرحباني الصغير إلى الشباك الموصد منتظراً ظهوره. أو هكذا يخيل لنا، نحن الذين نفعل ذلك. لكن زياد في السنوات الأخيرة لم يكتف بإيصاد الشباك. بل أسدل ستائر كثيفة خلف زجاجه جعلت من المستحيل لصديق يمر ليلاً ان يقول لنفسه عندما يرى الضوء مناراً: الرحباني سهران. فيأنس لبقائه في البلد على الرغم من كل شيء طالما انه ليس احسن من زياد.
لكن الرحباني ولو بدا <<نائما>> في الفترة الأخيرة، إلا انه في الحقيقة كان سهراناً. وبالتحديد في مكان لا يحبه: أمام التلفزيون. لم تكن الجريدة التي يقذفها موزع الجرائد فجراً على شرفته في الطابق الأول بمنطقة الوردية كافية لمتابعة التطورات التي لم تنفك تهز العالم ومنطقتنا الضعيفة منذ 11 أيلول. كانت الأحداث تسبق الجريدة، وكان عليه التفرغ لمتابعة الأخبار ومحاولة هضمها بتواتر متناسب مع وتيرتها: من حصار القوات الإسرائيلية <<للمقاطعة>>، مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات و<<كنيسة المهد>> ثم القمة العربية البيروتية وصولاً إلى الحرب على العراق و<<الهجمة الأميركية الفظيعة على المنطقة>> التي استفزت هذا الشيوعي على طريقته وجعلته يحس بأنه <<مسلم>>. في هذه الفترة الطويلة لم يكن يخرج تقريباً. لدرجة انه كما يقول <<وزعت اغاني لأول مرة بحياتي والتلفزيون داير>>. ومع كل تلك الساعات أمام التلفزيون، إلا أنه لا يتعرف على إلهام شاهين ولا على نانسي عجرم عندما تمران على الشاشة. فبرامجه المفضلة هي في الحقيقة الأخبار وبعض <<التوك شو>> السياسية. لم يخرج. لكن الإشاعات التي أستغابته حولته إلى ما يشبه <<راجح الكذبة>> في بياع الخواتم. لم تستفزه الشائعة بحد ذاتها بقدر ما أستفزه <<ترويج>> صورة خاطئة عنه على اعتبار انه <<بايعها و بيعملها>>.
ظهوره الأول بعد هذا الإنقطاع الطويل كان في حفل فيروز في دبي هذه السنة، حيث رافقها لأول مرة في سفرها منذ حفل <<بيرسي>> في باريس العام 1988. اما ظهوره المحلي الأول فقد كان في حفل فيروز في بيت الدين الصيف الماضي والذي أهدانا فيه أربع اغان رائعة بصوتها، ثم في فيلم <<طائرة من ورق>> لرندة الشهال صباغ الذي عرض اخيراً في الأونيسكو والذي ألف له موسيقاه التصويرية، إضافة لاشتراكه فيه بتمثيل دور جندي إسرائيلي درزي.
اما حصيلة هذا الغياب عن المشهد العام إضافة لما تقدم فمسرحية سياسية <<أشبه بالخطاب>> كما يقول، ستعرض أواخر فصل الشتاء، جعلته يتفادى ان يتكلم في السياسة بشكل كبير في المقابلة. وعدة أغان جديدة بصوت فيروز كما أسطوانة مشتركة مع أصوات غير معروفة، إضافة لأسطوانة لطيفة التي لم تنته.
أما بالنسبة لمشروع <<راديو>> كان يفكر فيه وهل لا زال ينوي ان ينفذه؟ فيقول ضاحكاً: <<إذا الله راديو>>!
<<السفير>> هذه صورة نانسي عجرم وتلك كانت إلهام شاهين كيف لا تعرفهما؟ قلت انك قضيت الفترة الماضية امام التلفزيون؟
زياد الرحباني أشاهد الاخبار فقط. قد تمر أشياء في فسحة الأعلانات او بانتظار الأخبار، لكن لا يلحق الإنسان ان يستوعب أساميهم.
لكن صار باستطاعتك ان تشاهد قنوات إخبارية صرف اليوم...
اكيد، وإذا سكّرت، تشاهدين <<أورونيوز>> التي تكرر الأخبار وتعيدها طول الوقت. لكنها بعيدة نسبيا عن أخبار المنطقة. يعني يجب ان تكون كل آبار النفط قد تفجرت في السعودية حتى <<يجيبوا خبر>>. (يضحك) لا تعنيهم الأشياء الخفيفة مثل مقتل اتنين او ثلاثة على الماشي...
منذ مرافقتك لفيروز إلى باريس لم تكرر الرحلة إلا إلى دبي هذه السنة. لم ترافقها إلى أميركا مثلا في رحلتها الأخيرة. والناس دائما تسأل عنك...
تعلمين أن جمهور هذه الحفلات هو <<الفيديت>>.عندما تصلين إلى المسرح تجدين الجمهور يدبك ويرقص. ثم تعملين إستراحة فيستمر يدبك بالإستراحة، ثم تنتهي الحفلة وتقومين بالإعادات، وهم ما زالوا يدبكون: هذا معناه أنهم لم يكونوا ينتظرونك انت بالذات. و<<قال>> انت مشغولة البال: ربما توزيع هذه الأغنية لم يكن جيدا... هذه ليست حفلة، هذه احداث. <<أنو بتحدث مع الفنان هيك أشيا>>.
لكن بما انك تعمل البرنامج...
أنا لا أعمل البرنامج. تطلب فيروز عناوين محددة فنخرج أرشيف النوتات. ما لا نجده نطلبه من فيروز او من منصور الرحباني. إن كانت الأغاني قديمة لم تغن منذ زمن، نصفّها ونصححها ليفهمها موسيقيون لا يفهمون أسلوب الموسيقى بالإتفاق. فموسيقيونا اكثرهم اجانب وأرمن. ولا يملكون مفتاح اللغة ليفهموا إن كانت المغنية صارت عند <<الرفران>> او <<الكوبليه>>. أو انه <<آه صار غلطة>>، او ان الناس صفقت فسرعت الإيقاع ولذا يجب ان نبطئ قليلاً. هؤلاء الموسيقيون يقرأون ورقاً. لذلك <<ننوط>> اغاني لم يجر تنويطها أبداً. ففي عزف الموسيقى الشرقية هناك شبه إتفاق على المواقع: بمعنى نعزف اول مرة قانون ثم ناي في المرة التالية وحكماً في الثالثة كمنجات. <<أيه هيدي بدك تقعدي تخططيها <<كاليغرافي>> لكل فوج وحده>>. لا يعود هذا توزيعاً موسيقياً، هذا يسمى توزيع خبز على المحتاجين. وفي محل يعزفون فيه كلهم ويسمى: توتي. وهي كلمة إيطالية تعني ان كل الفرقة تعزف الشيء نفسه. وما هو الشيء نفسه؟ هو نفس الشيء الذي يغنيه المطرب. لذا تسمعين أحيانا ضجة مهولة. مع ان العكس يجب ان يحدث عندما تتوحد كل الفرقة مع المطرب. لكن كون الموسيقيين الشرقيين <<يتصرفون>> عندما لا يكون هناك توزيع، تتحول لضجة مخيفة. تكتشفين ان الضجة أقوى عندما يعزف الشرقيون لوحدهم. لأن لدى كل واحد منهم <<عربة>> (بضم العين). العربة غير موحدة وغير مكتوبة لكن ممكن ضبطها. كان يرافق ام كلثوم ما يقارب الثلاثين كمنجة، لم لم نعرف إلا إسم كمنجاتي واحد هو الحفناوي؟ كانت تقول لهم <<هذا يرافقني والبقية <<يزنوا>> <<يعني يقولون شيئا موحدا. ففي حفلات اميركا المشكلة كان معظم الموسيقيين مع فيروز من غير اولاد العرب. لذا يجب ان تكتبي لهم على <<البكلة>> أين يعزفون وأين يسكتون.
لم تضع إذا برنامج اميركا ولم تذهب. وفي لبنان لم يكن هناك إلا بيت الدين. لا مسرحية، لا حفلة لا برنامج. نشاطات مبعثرة. ماذا تفعل؟.
عملنا موسيقى لفيلم، هناك من لا يعتبرها شغلاً. والناس لا تسمع فيها فيعتبرون انك لا تعملين.
لكن ما يفتقده الناس أيضاً هو وجودك الآخر: الناس تحب ان تسمعك بما يتعلق بالشأن العام. مرت على المنطقة أوقات رهيبة وانت غاطس في الغواصة...
لدينا مسرحية كان من المفترض أن تعرض السنة الماضية...
<<مايد باي ميشا>>؟
لا لا... غيرها. لكننا أجلناها بسبب الجو الذي كان مسيطرا على المنطقة كلها. كنا كلنا على الاخبار: حصار عرفات وجنين وكنيسة المهد. كانت هناك اجواء ان الحرب ممكن ان تشتعل في اي مكان، فأجلناها. لكن حصل الشيء نفسه ووقعت حرب العراق. فأجلناها مرة اخرى. لكننا سنعرضها هذه المرة...
ألها علاقة بما يحدث إقليميا... يعني هل الجانب السياسي كبير فيها؟
محاضرة. مونولوغ، كأنها خطاب واحد مقسم على ثلاثة فصول. تحصل في غرفة واحدة وشخصياتها قليلة. ومن المؤكد أن لها علاقة بكل شيء غير بيروت واخبارها. لها علاقة بما يحدث بالمنطقة وبالعالم.
أي انها تشبه اللحظة السياسية؟
ومباشرة جداً... كمقالة تكتبينها عن الوضع اليوم. عن علاقة ما يحصل في الشرق الأوسط بالدول التي تفكر بالسيطرة على العالم.
يعني إذا عملت معك مقابلة سياسية...
سأحكي تماماً كما في المسرحية. ومن المؤكد أنه لن يكون للرقابة معها أي مشكلة. لكن من الممكن أن تستاء بعض الأطراف لأن عرضها عمومي ويومي، ولا شك ان الناس سيهيصون فيها ويصفرون اكتر مما سيضحكون.
ما قصدك بالتهييّص؟
أعني ان ردة فعل الناس ليست دائماً ضحك. هناك ما يسمى بالحماس والتأييد.
العرض نهاية الشتاء. هل تتدربون لها إذاً ؟ هل سميتها؟
لا زلنا نبيّض الأفكار، لم نطبع النص كله بشكل منتظم. ولم أعطها إسماً بعد.
وأين ستعرض بعد حريق البيكاديللي؟ ألم تكن دائما هناك؟
لا، بالبداية عملت <<سهرية>> و<<نزل السرور>> و<<بالنسبة لبكرة شو>> في الأورلي. بعد ذلك أستغنى عنها آل العيتاني. صارت محل للبينغو. فأنتقلنا إلى سينما جاندارك مع <<فيلم اميركي طويل>> و<<شي فاشل>>. وآخر مسرحيات <<لولا فسحة الأمل>> و<<بخصوص الكرامة>> كانت في البيكاديللي. اليوم لدينا إحتمالان: أو سينما سارولا او <<شاتو تريانو>> على الأوتوستراد. لا شك اننا اعتدنا على الجزيرة المسماة رأس بيروت والتي هي عاصمة بيروت الغربية (يضحك) إذا لم تتوفر الإمكانية سيكون المكان الأنسب <<شاتو تريانو>>.
روتانا
<<السفير>> نشاطاتك الموسيقية، إذا وضعنا موسيقى فيلم <<طائرة من ورق>> على جنب...
زياد دعك من الموسيقى، هذا طموح دائم. إذا سمعك الناس سيصدقون أن لدينا نشاطات. نعمل ضمن الأغنية المطلوبة. وحتى موسيقى الفيلم التصويرية كانت ايضاً مطلوبة. أقصد بالنشاطات الموسيقية أن لا يكون شرطاً فيها مطرب. هذا طموح دائم . ولا يزال <<مغيم>>.
مليون حفلة لفيروز ولك لم تسوق. أصدرتم بيت الدين 2000 ثم لا أثر للحفلات الثلاث التالية. ظروف دبي التقنية من المناخ إلى تدريبات المسرح ألخ لم تكن جيدة إذا لا أسطوانة. حفل بيال بباريس لم يسوق... ما هي فرص ان يسمع الأنسان لكما أسطوانة جديدة ؟
قرار تسويق حفلات مهرجانات بيت الدين متعلق بإتخاذ فيروز قرارا بذلك، وهذا مرتبط بوجود منتج. لأنه حتى من اجل هذا لا تجدين منتجاً بسهولة.
لكن ما الذي تغير في السوق؟ إذا فيروز وزياد لم يجدا منتجاً... أين الإيمي والريلاكس إن وصوت الشرق...
<<إيمي>> توزع فقط، ولا تغامر مادياً بشيء. تعرف أن السرقة كثيرة في سوقنا وان أسطوانة مثل هذه تكلف اكثر من غيرها...
لكنها مربحة؟
لهم؟ مع الوقت دائماً مربحة. شغل فيروز دائماً مربح، لكن لم يعد هذا هو المقياس. فقد ضربت كل هذه الشركات بسبب شيء أسمه <<روتانا>>. فهذه الأخيرة لا تسأل إذا كانت الأسطوانة سترجع مصاريفها.
كيف لا يسألون؟ وهل ينتجون من اجل الوجاهة؟ أم الشعبية والانتخابات؟
يقولون ان هذا <<تشجيع للفن>>. يعني فلان أعطى مبلغاً ومن أعطى يعلم أن المبلغ لن يرجع. <<سكّروا السوق>>. الأمر يشبه المزاد. يقول شخص: اربعين ألفا فيقول آخر خمسة وأربعون. ثم يأتي احدهم ويقول بخمسماية ألف ف<<يقفلها>>. هكذا كان وضع شركات الإنتاج العادية قبل أن تسرح <<روتانا>> بالسوق خارج اي مقياس. خربوا الشركات العادية لأن كل العالم صارت تقول: فلنذهب إلى روتانا. صارت الأجور متل الإكراميات: <<أكرم فلان>> وليس عمل له عقداً. ليس هناك من حمار يعمل عقدا بشيء مماثل خاصة إذا كان تاجراً ذكياً للغاية مثل الوليد بن طلال. ستكون سابقة. تبقى لديه صورة عن الشيك. فإذا نكر احدهم انه لم ياخذ شيئاً، تبقى صورة الشيك وأرميته. <<الأرمية أحسن: مسّمة اكتر>>. ينشرونها له بالجريدة. لكن لهذه المبالغ تبعات...
ما هي؟
إذا طُلب المطرب او المطربة إلى حفلة خاصة يجب ان يأتي. حفلة ربما كانت منزلية من نوع أن الفرقة اثنا عشر شخصا والحضور اربعة. وممكن أن تبدأ الساعة الرابعة فجراً. ممكن أن تكون على مركب...
نحنا ليه ما فكرنا بالتلفزيون؟
هذا يفسر أننا لا نسمع إلا نوعاً محدداً. خلجنة السوق.
الامر ليس جديداً، من أول الحرب كل مسلسل تلفزيوني عربي كانت تحكمه ممنوعات السعودية البالغ عددها الفا وتلاثة وعشرين ممنوعة. وإلا <<نحنا ليه ما فكرنا بالتلفزيون>>؟
مثلا!
التلفزيون المحلي لا يدفع شيئا يذكر خاصة إذا عرف انها لن تعرض إلا في لبنان. صار هناك إختصاصيون بكتابة ما لا يمنع في السعودية. وإذا وافقت عليه المملكة يشتريه كذا تلفزيون بالإمارات. يقال ان بعض الإمارات متفلتة قليلا من هذه الشروط لكن عموما الأمر صحيح. هذا جزء من السوق. الجزء الثاني هو ان اميركا داخلة على المنطقة بشكل وحشي وبالإعلام، وهي تفكر بقصص لا تضايق الذوق العربي العام وبالوقت نفسه تكون حديثة: مشاريع تقليد تلفزيونات اميركية بالمنطقة...
تلفزيون وإذاعة <<سوا>> وإذاعة <<هاي>> إلى آخره...
الآن هناك قناة أسمها روتانا. هناك تنسيق بين الرساميل العاملة في المجال الإعلامي وبين الأميركيين بطريقة لا تثير لا مشاعر دينية ولا حساسيات. يدخلون بكل شيء: من الإعلام العربي. أنظري كيف صار شكله للأغاني العربية كيف صار شكلها. صرعات التقليد، خلط الإيقاعات الغربية <<التكنو>> بالأغنية العربية. ودائما الرائدة بهذه الصرعات مصر. الشغل مصري والمنتج سعودي. إياك أن تظني أن هناك منتج أغنية مصري. ليس هناك من منتجين بمصر، او ربما كانوا أقلية. المنتج دائماً خليجي لكل هذه الصرعات، او يجب أن يكون شيئا اسمه <<روتانا>>. هناك شركات خليجية موازية لكنها ليست بقوتها، لم يستطيعوا توسيع أعمالهم كما فعلت روتانا.
تشعرني الهجمة الأميركية على المنطقة بأنني مسلم
ضحى شمس
من زمان لم يطل علينا زياد الرحباني. من زمان لم يفتح شباك بيته المطل على الشارع العام ليقول ما نفكر به بطريقة أحلى وأدق وأظرف مما نستطيع التعبير عنه. والأمر ليس من عادات زياد. ذلك انه كلما هز حدث خطير البلد او المنطقة، يلتفت الشارع الذي يطل عليه منزل الرحباني الصغير إلى الشباك الموصد منتظراً ظهوره. أو هكذا يخيل لنا، نحن الذين نفعل ذلك. لكن زياد في السنوات الأخيرة لم يكتف بإيصاد الشباك. بل أسدل ستائر كثيفة خلف زجاجه جعلت من المستحيل لصديق يمر ليلاً ان يقول لنفسه عندما يرى الضوء مناراً: الرحباني سهران. فيأنس لبقائه في البلد على الرغم من كل شيء طالما انه ليس احسن من زياد.
لكن الرحباني ولو بدا <<نائما>> في الفترة الأخيرة، إلا انه في الحقيقة كان سهراناً. وبالتحديد في مكان لا يحبه: أمام التلفزيون. لم تكن الجريدة التي يقذفها موزع الجرائد فجراً على شرفته في الطابق الأول بمنطقة الوردية كافية لمتابعة التطورات التي لم تنفك تهز العالم ومنطقتنا الضعيفة منذ 11 أيلول. كانت الأحداث تسبق الجريدة، وكان عليه التفرغ لمتابعة الأخبار ومحاولة هضمها بتواتر متناسب مع وتيرتها: من حصار القوات الإسرائيلية <<للمقاطعة>>، مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات و<<كنيسة المهد>> ثم القمة العربية البيروتية وصولاً إلى الحرب على العراق و<<الهجمة الأميركية الفظيعة على المنطقة>> التي استفزت هذا الشيوعي على طريقته وجعلته يحس بأنه <<مسلم>>. في هذه الفترة الطويلة لم يكن يخرج تقريباً. لدرجة انه كما يقول <<وزعت اغاني لأول مرة بحياتي والتلفزيون داير>>. ومع كل تلك الساعات أمام التلفزيون، إلا أنه لا يتعرف على إلهام شاهين ولا على نانسي عجرم عندما تمران على الشاشة. فبرامجه المفضلة هي في الحقيقة الأخبار وبعض <<التوك شو>> السياسية. لم يخرج. لكن الإشاعات التي أستغابته حولته إلى ما يشبه <<راجح الكذبة>> في بياع الخواتم. لم تستفزه الشائعة بحد ذاتها بقدر ما أستفزه <<ترويج>> صورة خاطئة عنه على اعتبار انه <<بايعها و بيعملها>>.
ظهوره الأول بعد هذا الإنقطاع الطويل كان في حفل فيروز في دبي هذه السنة، حيث رافقها لأول مرة في سفرها منذ حفل <<بيرسي>> في باريس العام 1988. اما ظهوره المحلي الأول فقد كان في حفل فيروز في بيت الدين الصيف الماضي والذي أهدانا فيه أربع اغان رائعة بصوتها، ثم في فيلم <<طائرة من ورق>> لرندة الشهال صباغ الذي عرض اخيراً في الأونيسكو والذي ألف له موسيقاه التصويرية، إضافة لاشتراكه فيه بتمثيل دور جندي إسرائيلي درزي.
اما حصيلة هذا الغياب عن المشهد العام إضافة لما تقدم فمسرحية سياسية <<أشبه بالخطاب>> كما يقول، ستعرض أواخر فصل الشتاء، جعلته يتفادى ان يتكلم في السياسة بشكل كبير في المقابلة. وعدة أغان جديدة بصوت فيروز كما أسطوانة مشتركة مع أصوات غير معروفة، إضافة لأسطوانة لطيفة التي لم تنته.
أما بالنسبة لمشروع <<راديو>> كان يفكر فيه وهل لا زال ينوي ان ينفذه؟ فيقول ضاحكاً: <<إذا الله راديو>>!
<<السفير>> هذه صورة نانسي عجرم وتلك كانت إلهام شاهين كيف لا تعرفهما؟ قلت انك قضيت الفترة الماضية امام التلفزيون؟
زياد الرحباني أشاهد الاخبار فقط. قد تمر أشياء في فسحة الأعلانات او بانتظار الأخبار، لكن لا يلحق الإنسان ان يستوعب أساميهم.
لكن صار باستطاعتك ان تشاهد قنوات إخبارية صرف اليوم...
اكيد، وإذا سكّرت، تشاهدين <<أورونيوز>> التي تكرر الأخبار وتعيدها طول الوقت. لكنها بعيدة نسبيا عن أخبار المنطقة. يعني يجب ان تكون كل آبار النفط قد تفجرت في السعودية حتى <<يجيبوا خبر>>. (يضحك) لا تعنيهم الأشياء الخفيفة مثل مقتل اتنين او ثلاثة على الماشي...
منذ مرافقتك لفيروز إلى باريس لم تكرر الرحلة إلا إلى دبي هذه السنة. لم ترافقها إلى أميركا مثلا في رحلتها الأخيرة. والناس دائما تسأل عنك...
تعلمين أن جمهور هذه الحفلات هو <<الفيديت>>.عندما تصلين إلى المسرح تجدين الجمهور يدبك ويرقص. ثم تعملين إستراحة فيستمر يدبك بالإستراحة، ثم تنتهي الحفلة وتقومين بالإعادات، وهم ما زالوا يدبكون: هذا معناه أنهم لم يكونوا ينتظرونك انت بالذات. و<<قال>> انت مشغولة البال: ربما توزيع هذه الأغنية لم يكن جيدا... هذه ليست حفلة، هذه احداث. <<أنو بتحدث مع الفنان هيك أشيا>>.
لكن بما انك تعمل البرنامج...
أنا لا أعمل البرنامج. تطلب فيروز عناوين محددة فنخرج أرشيف النوتات. ما لا نجده نطلبه من فيروز او من منصور الرحباني. إن كانت الأغاني قديمة لم تغن منذ زمن، نصفّها ونصححها ليفهمها موسيقيون لا يفهمون أسلوب الموسيقى بالإتفاق. فموسيقيونا اكثرهم اجانب وأرمن. ولا يملكون مفتاح اللغة ليفهموا إن كانت المغنية صارت عند <<الرفران>> او <<الكوبليه>>. أو انه <<آه صار غلطة>>، او ان الناس صفقت فسرعت الإيقاع ولذا يجب ان نبطئ قليلاً. هؤلاء الموسيقيون يقرأون ورقاً. لذلك <<ننوط>> اغاني لم يجر تنويطها أبداً. ففي عزف الموسيقى الشرقية هناك شبه إتفاق على المواقع: بمعنى نعزف اول مرة قانون ثم ناي في المرة التالية وحكماً في الثالثة كمنجات. <<أيه هيدي بدك تقعدي تخططيها <<كاليغرافي>> لكل فوج وحده>>. لا يعود هذا توزيعاً موسيقياً، هذا يسمى توزيع خبز على المحتاجين. وفي محل يعزفون فيه كلهم ويسمى: توتي. وهي كلمة إيطالية تعني ان كل الفرقة تعزف الشيء نفسه. وما هو الشيء نفسه؟ هو نفس الشيء الذي يغنيه المطرب. لذا تسمعين أحيانا ضجة مهولة. مع ان العكس يجب ان يحدث عندما تتوحد كل الفرقة مع المطرب. لكن كون الموسيقيين الشرقيين <<يتصرفون>> عندما لا يكون هناك توزيع، تتحول لضجة مخيفة. تكتشفين ان الضجة أقوى عندما يعزف الشرقيون لوحدهم. لأن لدى كل واحد منهم <<عربة>> (بضم العين). العربة غير موحدة وغير مكتوبة لكن ممكن ضبطها. كان يرافق ام كلثوم ما يقارب الثلاثين كمنجة، لم لم نعرف إلا إسم كمنجاتي واحد هو الحفناوي؟ كانت تقول لهم <<هذا يرافقني والبقية <<يزنوا>> <<يعني يقولون شيئا موحدا. ففي حفلات اميركا المشكلة كان معظم الموسيقيين مع فيروز من غير اولاد العرب. لذا يجب ان تكتبي لهم على <<البكلة>> أين يعزفون وأين يسكتون.
لم تضع إذا برنامج اميركا ولم تذهب. وفي لبنان لم يكن هناك إلا بيت الدين. لا مسرحية، لا حفلة لا برنامج. نشاطات مبعثرة. ماذا تفعل؟.
عملنا موسيقى لفيلم، هناك من لا يعتبرها شغلاً. والناس لا تسمع فيها فيعتبرون انك لا تعملين.
لكن ما يفتقده الناس أيضاً هو وجودك الآخر: الناس تحب ان تسمعك بما يتعلق بالشأن العام. مرت على المنطقة أوقات رهيبة وانت غاطس في الغواصة...
لدينا مسرحية كان من المفترض أن تعرض السنة الماضية...
<<مايد باي ميشا>>؟
لا لا... غيرها. لكننا أجلناها بسبب الجو الذي كان مسيطرا على المنطقة كلها. كنا كلنا على الاخبار: حصار عرفات وجنين وكنيسة المهد. كانت هناك اجواء ان الحرب ممكن ان تشتعل في اي مكان، فأجلناها. لكن حصل الشيء نفسه ووقعت حرب العراق. فأجلناها مرة اخرى. لكننا سنعرضها هذه المرة...
ألها علاقة بما يحدث إقليميا... يعني هل الجانب السياسي كبير فيها؟
محاضرة. مونولوغ، كأنها خطاب واحد مقسم على ثلاثة فصول. تحصل في غرفة واحدة وشخصياتها قليلة. ومن المؤكد أن لها علاقة بكل شيء غير بيروت واخبارها. لها علاقة بما يحدث بالمنطقة وبالعالم.
أي انها تشبه اللحظة السياسية؟
ومباشرة جداً... كمقالة تكتبينها عن الوضع اليوم. عن علاقة ما يحصل في الشرق الأوسط بالدول التي تفكر بالسيطرة على العالم.
يعني إذا عملت معك مقابلة سياسية...
سأحكي تماماً كما في المسرحية. ومن المؤكد أنه لن يكون للرقابة معها أي مشكلة. لكن من الممكن أن تستاء بعض الأطراف لأن عرضها عمومي ويومي، ولا شك ان الناس سيهيصون فيها ويصفرون اكتر مما سيضحكون.
ما قصدك بالتهييّص؟
أعني ان ردة فعل الناس ليست دائماً ضحك. هناك ما يسمى بالحماس والتأييد.
العرض نهاية الشتاء. هل تتدربون لها إذاً ؟ هل سميتها؟
لا زلنا نبيّض الأفكار، لم نطبع النص كله بشكل منتظم. ولم أعطها إسماً بعد.
وأين ستعرض بعد حريق البيكاديللي؟ ألم تكن دائما هناك؟
لا، بالبداية عملت <<سهرية>> و<<نزل السرور>> و<<بالنسبة لبكرة شو>> في الأورلي. بعد ذلك أستغنى عنها آل العيتاني. صارت محل للبينغو. فأنتقلنا إلى سينما جاندارك مع <<فيلم اميركي طويل>> و<<شي فاشل>>. وآخر مسرحيات <<لولا فسحة الأمل>> و<<بخصوص الكرامة>> كانت في البيكاديللي. اليوم لدينا إحتمالان: أو سينما سارولا او <<شاتو تريانو>> على الأوتوستراد. لا شك اننا اعتدنا على الجزيرة المسماة رأس بيروت والتي هي عاصمة بيروت الغربية (يضحك) إذا لم تتوفر الإمكانية سيكون المكان الأنسب <<شاتو تريانو>>.
روتانا
<<السفير>> نشاطاتك الموسيقية، إذا وضعنا موسيقى فيلم <<طائرة من ورق>> على جنب...
زياد دعك من الموسيقى، هذا طموح دائم. إذا سمعك الناس سيصدقون أن لدينا نشاطات. نعمل ضمن الأغنية المطلوبة. وحتى موسيقى الفيلم التصويرية كانت ايضاً مطلوبة. أقصد بالنشاطات الموسيقية أن لا يكون شرطاً فيها مطرب. هذا طموح دائم . ولا يزال <<مغيم>>.
مليون حفلة لفيروز ولك لم تسوق. أصدرتم بيت الدين 2000 ثم لا أثر للحفلات الثلاث التالية. ظروف دبي التقنية من المناخ إلى تدريبات المسرح ألخ لم تكن جيدة إذا لا أسطوانة. حفل بيال بباريس لم يسوق... ما هي فرص ان يسمع الأنسان لكما أسطوانة جديدة ؟
قرار تسويق حفلات مهرجانات بيت الدين متعلق بإتخاذ فيروز قرارا بذلك، وهذا مرتبط بوجود منتج. لأنه حتى من اجل هذا لا تجدين منتجاً بسهولة.
لكن ما الذي تغير في السوق؟ إذا فيروز وزياد لم يجدا منتجاً... أين الإيمي والريلاكس إن وصوت الشرق...
<<إيمي>> توزع فقط، ولا تغامر مادياً بشيء. تعرف أن السرقة كثيرة في سوقنا وان أسطوانة مثل هذه تكلف اكثر من غيرها...
لكنها مربحة؟
لهم؟ مع الوقت دائماً مربحة. شغل فيروز دائماً مربح، لكن لم يعد هذا هو المقياس. فقد ضربت كل هذه الشركات بسبب شيء أسمه <<روتانا>>. فهذه الأخيرة لا تسأل إذا كانت الأسطوانة سترجع مصاريفها.
كيف لا يسألون؟ وهل ينتجون من اجل الوجاهة؟ أم الشعبية والانتخابات؟
يقولون ان هذا <<تشجيع للفن>>. يعني فلان أعطى مبلغاً ومن أعطى يعلم أن المبلغ لن يرجع. <<سكّروا السوق>>. الأمر يشبه المزاد. يقول شخص: اربعين ألفا فيقول آخر خمسة وأربعون. ثم يأتي احدهم ويقول بخمسماية ألف ف<<يقفلها>>. هكذا كان وضع شركات الإنتاج العادية قبل أن تسرح <<روتانا>> بالسوق خارج اي مقياس. خربوا الشركات العادية لأن كل العالم صارت تقول: فلنذهب إلى روتانا. صارت الأجور متل الإكراميات: <<أكرم فلان>> وليس عمل له عقداً. ليس هناك من حمار يعمل عقدا بشيء مماثل خاصة إذا كان تاجراً ذكياً للغاية مثل الوليد بن طلال. ستكون سابقة. تبقى لديه صورة عن الشيك. فإذا نكر احدهم انه لم ياخذ شيئاً، تبقى صورة الشيك وأرميته. <<الأرمية أحسن: مسّمة اكتر>>. ينشرونها له بالجريدة. لكن لهذه المبالغ تبعات...
ما هي؟
إذا طُلب المطرب او المطربة إلى حفلة خاصة يجب ان يأتي. حفلة ربما كانت منزلية من نوع أن الفرقة اثنا عشر شخصا والحضور اربعة. وممكن أن تبدأ الساعة الرابعة فجراً. ممكن أن تكون على مركب...
نحنا ليه ما فكرنا بالتلفزيون؟
هذا يفسر أننا لا نسمع إلا نوعاً محدداً. خلجنة السوق.
الامر ليس جديداً، من أول الحرب كل مسلسل تلفزيوني عربي كانت تحكمه ممنوعات السعودية البالغ عددها الفا وتلاثة وعشرين ممنوعة. وإلا <<نحنا ليه ما فكرنا بالتلفزيون>>؟
مثلا!
التلفزيون المحلي لا يدفع شيئا يذكر خاصة إذا عرف انها لن تعرض إلا في لبنان. صار هناك إختصاصيون بكتابة ما لا يمنع في السعودية. وإذا وافقت عليه المملكة يشتريه كذا تلفزيون بالإمارات. يقال ان بعض الإمارات متفلتة قليلا من هذه الشروط لكن عموما الأمر صحيح. هذا جزء من السوق. الجزء الثاني هو ان اميركا داخلة على المنطقة بشكل وحشي وبالإعلام، وهي تفكر بقصص لا تضايق الذوق العربي العام وبالوقت نفسه تكون حديثة: مشاريع تقليد تلفزيونات اميركية بالمنطقة...
تلفزيون وإذاعة <<سوا>> وإذاعة <<هاي>> إلى آخره...
الآن هناك قناة أسمها روتانا. هناك تنسيق بين الرساميل العاملة في المجال الإعلامي وبين الأميركيين بطريقة لا تثير لا مشاعر دينية ولا حساسيات. يدخلون بكل شيء: من الإعلام العربي. أنظري كيف صار شكله للأغاني العربية كيف صار شكلها. صرعات التقليد، خلط الإيقاعات الغربية <<التكنو>> بالأغنية العربية. ودائما الرائدة بهذه الصرعات مصر. الشغل مصري والمنتج سعودي. إياك أن تظني أن هناك منتج أغنية مصري. ليس هناك من منتجين بمصر، او ربما كانوا أقلية. المنتج دائماً خليجي لكل هذه الصرعات، او يجب أن يكون شيئا اسمه <<روتانا>>. هناك شركات خليجية موازية لكنها ليست بقوتها، لم يستطيعوا توسيع أعمالهم كما فعلت روتانا.