عرض الإصدار الكامل : المنفى
العازف الجوال
06-03-2004, 22:48
الإنسان كائنٌ عاقل؟ صفة ناقصة. ما عادت دقيقة. الإنسان كائن منفيّ.
بات صعبًا تحديد موطن للناس. المنفى اتسع. الأرض كلها صارت منفى.
ما عاد هناك وطن. هذه تسمية أضحت من التراث. من الذاكرة الآفلة. البشر يقيمون في منفى لا في وطن.
كان في الماضي منفى جماعيّ ومنفي فرديّ. صار الكلُّ كلِّيي النفي: منفيين في الخارج ومنفيين في الداخل ومنفيين في الجماعة ومنفيين في الذات.
لم تبق في الخارج أية إشارة إلى أن هذا المكان، أو ذاك، هو مكاننا.
ولا في الداخل إشارة إلى أن الذات لا تزال تخصُّنا.
صار صعبًا، بل مستحيلاً على المرء تحديد ذاته، فكيف تحديد مكانه؟
إذا الذات نفسها منفيَّة، هل يمكن التحدُّث عن مكان؟
سيلٌ من الخطى على بلاط بارد. دفقٌ راكض يطوي الأمكنة. مشيٌ لا يحتفظ بأي مكان.
لا درب. فقط تشعّبات. وخطوات تتشعّب على التشعّبات كلها ولذلك لا تسير.
لم يبق للأقدام طريق تألفه وزاوية تتمدّد عليها. درب العودة إلى مكان أليف، بشوق وبطء وفرح، ما عادت ممكنة. صارت ممحوَّة. محتها الخطوات الراكضة وموت الألفة واستحالة العودة. محاها غياب المكان.
المكان الذي غاب كمساحة، وغاب كحضور.
ليس ممكنًا، بعد، أن تكون حاضرًا مع آخرين، لا بينهم ولا فيهم. لم يعد لديك كلام لهم ولم يعد لديهم كلام لك. إذا تكلّمتَ لا تتكلم إلا مع ذاتك ولو ظننتهم يصغون. وإن تكلّموا لا تسمع إلا صوتك ولو اعتقدوا أنك تصغي. لا تكون إلا فيك ولو كنت في جمهرة. ولا يكونون معك ولو كنت بينهم... لستَ إلا منفيًا وليسوا إلا منفيين.
منفيٌّ في المكان ومنفيٌّ في الناس. منفيٌّ في الخارج ومنفيّ في الداخل.
مثلّث المنفى: منفى المكان ومنفى الآخر ومنفي الذات.
هل تجد ذاتك وطنًا لك؟ قُلْ. هل ذاتك مسكن؟
هل بينكما لغة؟ أأنتما متفاهمان؟ أليفان؟ تنامان عى سرير واحد؟ تترافقان على الطريق؟
إني لا أرى غير عداء وخيانة.
الذات لا تخلص لصاحبها، الذات تخون. لا ترافقه، تهجره، لا تنقذه، ترديه.
لا أرى غير بُعد وغياب.
لا أرى رفاقًا سوى الآفلين. لا رفاق إلا الموتى.
غابت الأمكنة وغاب سكانها. لم يعد ثمة مكان ولا قاطنوه. صار خطأ ما تعلمناه عن مفهومي المكان والزمان، وعن الإقامة والاغتراب. تغيَّر كل شيء. انقلبت الحياة والإنسان والأشياء على مفاهيمها وعلى نفسها. دخلتْ في خلطٍ فوضوي حتى الإلغاء. إلغاء المكان وإلغاء الزمان وإلغاء الآخر وإلغاء الذات.
دخل الكل في منفى كليّ. دخل الكل في الغياب.
وكان هذا الغياب سيكون جميلاً لو لم يكن جرفًا جماعيًا، لو لم يكن التزامًا بالركام.
كان جميلاً لو للغائب خصوصية غيابه، وللملغي فردانيّة اختيار الإلغاء.
فللغياب الاختياري نصرٌ على الحضور. للمنفى الخاص نصر على الانتماء. للغياب والمنفى نصر على الجماعة والاستيعاب والامتصاص.
هكذا، يكون المنفى نصرًا نادرًا. يفوز المنفيّ بذاته ولو ليس له رفاقٌ إلا الآفلين، لو ليس له رفاق إلا الموتى.
هكذا يكون للفرد حضور.
هكذا لا يكون للفرد حضور إلا بغيابه!
العازف الجوال
12-03-2004, 01:23
توضيح لا بد منه .......
ما أردت قوله هو أنني اخترت هذا القسم لأجمع بعض المقالات القصص المقاطع النثرية.. إلخ
ولست أنا كاتبها إنما هي مما قرأت ( لذلك اخترت قسم قرأت لك )
أن أردت أن تعرف ما القاسم المشترك بينها فهما أمران اثنان الأول أنني قرأتها مرتين أو أكثر وأنصحك أن تقرأها مثلي مرتين على الأقل والثاني هو أنني لا أرغب في التحدث عن كاتبها ولست بالضرورة أعرف من كاتبها ........ مسالة أخرى تجمع بين ما أنوي إضافته هنا وهو غياب الربط السببي بينها
غايتي من الموضوع أن تتصفحوا معي تلك المختارات وتستمتعوا معي ولا بأس أن أردتم أن تضيفوا شيئاً أو مداخلة في سياق السرد
لكم كل محبتي وكل أمنياتي بالتوفيق
أهبط منسلاً لرفوف المكتبة القومية بالأطمار إلى كذب التاريخ أجرجره من لحيته للحان وأسأله بعد الكأس الأولى: من ساوى رأس الحجاج برأس الحلاج على طبق.
من "نشيد أوروك"
لكن السمكة يعميها الجوع / لا تستطيع تمييز دودة عن سنارة.
جوزيف برودسكي
العالم يولد كلما تبادل اثنان القبل
اكتوفيوباث
ومادمت قد خربت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم، فهي حزاب أينما حللت !
كافافي
الطاغية يتحرك دائماً نحو الحرب / أي حرب / لكي يحتاج مواطنوه إلى قائد دائمي.
سقراط
الدكتاتور يمتطي نموراً لا يجرؤ على الترجل منها .. لأنها جائعة.
ونستون تشرشل
ولأن الخطاب المراوغ أقدر على الوصول وأسرع طالما بررت غايته الوسيلة، وطالما وجد الأرضية الهشة التي تساعده في النفاذ إليها أو من خلالها، فقد وجد الفكر الجاد نفسه معزولاً مطارداً محاصراً من كل الجهات، فأوصد أبواب مكتباته على نفسه وظل يتحاور مع وحدته وفكره وكتبه، حين وجد الخروج مكلفاً أو خطراً، وإن الساحة عاجة بالمهرجين والانتهازيين الذين اعتلوا – بالترغيب والترهيب – أكتاف الجماهير المغفلة وراحوا يلعلعون بخطبهم المطنبة عن مشاريعهم الرائدة في خدمة الجماهير الكادحة المسحوقة. غير إن بعضهم لم يحتج إلى هذه الديباجة ومنهم الحجاج الذي صرح بلا تردد في أول خطبة له على منبر مسجد الكوفة بأنه لا يرى في هذه الجماهير المحتشدة حوله إلا رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وانه لصاحبها .. ولم يكتف بهذا القطاف التاريخي بل ترك وراءه تحت الأرض سجوناً معبأة بالرجال والنساء ما زالت صرخاتها تتردد حتى يومنا هذا في أقبية أنظمتنا الدكتاتورية وأن اختلفت وجوه الجلادين وسياطهم وأفواه المعتقلين وأسماؤهم، ومع هذا لم يعدم الحجاج القديم أو الجديد أن يجد حوله وبعده الكثير من الهتافات والمنظرين ناهيك عن قصائد المديح وغزل أقلام المؤرخين، هذه الأقلام التي استمرت في نسج التاريخ وفق ما أملته اعطيات الخلفاء والملوك فنست حياة الجماهير وانشغلت بتفاصيل القصور الأموية ومن ثم القصور العباسية وصولاً إلى القصور الرئاسية، .. حتى أن الطبري وأبن كثير وأبن خلدون وغيرهم الذين كتبوا تاريخهم المعاصر عن العصر العباسي، تغافلوا عن الكثير من الظلم والاضطهاد الذي لاقته الجماهير المعارضة زمن ذاك... وحتى أن لجان التفتيش- الآن - والتي كانت تنقب عن الغازات السامة ورؤوس الصواريخ لم تلتفت للرؤوس المقطوعة واليانعة بين الصناديق وخلف أسلاك المعسكرات وتحت سطور الجرائد والهتافات والمجاعات والنكات السريعة، ولم تصغ – وهي تمرق بسيارتها الفخمة وسط كاميرات الصحفيين – للأنين الذي كان ينبثق من تحت الأرض المسممة التي ضمت حشرجات آلاف الضحايا والتي ستظل تلوب من عصر إلى عصر ومن حاكم إلى حاكم ومن جماهير إلى جماهير ومن طبري إلى ريتشارد بتلر وكوفي عنان وروجيه غارودي...
ولعب بعض المفكرين دوراً في التقلب السريع بالأدوار الفكرية والسياسية وفقاً لاستمرار مصالحهم ووجودهم. وانظرْ إلى عامر بن شرحبيل الشعبي الذي " أظهر التشيع فاشترك في ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي ثم ارتد بعد فشل الثورة واشترك في حركة عبد الرحمن بن الأشعث فلما أخفقت أعلن توبته أمام الحجاج فولاه قضاء الكوفة فلما سقطت الدولة الأموية أظهر ولاءه لبني العباس فثبتوه في منصبه – د. محمود اسماعيل/الحركات السرية في الإسلام".
وهذه الجماهير المعارضة نفسها التي كانت تأمل خيراً بخطابات قادتها راحت هي الأخرى تندب حظها وحاضرها وتترحم على الماضي حين وجدت أن الثورات التي قامت بها لم تفض إلا إلى المزيد من الجوع والذل والتشرد وأن الحاكم الجديد الذي ضحت بدمها من أجل صعوده أكثر دموية وجشعاً من غيره، حتى قال أحد شعرائها:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا يا ليت عدل بني العباس في النار
وهل ترى أبشع من هذه الأمنية التي أخذت مجراها في بطون التاريخ وتسللت في غفلة منا إلينا استدراجاً مرعباً لسلسلة الحروب والسجون والقمع والتشرد التي مرت بنا وكنا على الدوام نارها وحطبها ودخانها ورمادها.
من ساهم في صنع كل هذا الخراب؟ ومن أوصلنا إليه؟
هل هو الفكر؟ أم النص؟ أم الخطاب؟ أم العامة؟ أم الحكام؟ أم العدو الخارجي؟ أم الإمبريالية؟ أم الاشتراكية؟ أم العولمة؟ والخ، والى آخر جميع المصطلحات الحديثة التي تربو على عدد شهداء الفكر الإنساني منذ بدء التاريخ.
وقد تسأل: وما هو دورنا؟ بل ما فائدة الفكر والفن والادب إذا لم يخرج على جور زمانه؟
ولك ألف حق وحق بهذا السؤال التاريخي الوجودي المرير الذي صدقه البعض فخرج وخرجت الجماهير معه ثم عليه لتسحله في الشوارع وهي تهتف بحياة الحاكم وموت الزنادقة والكفرة والعصاة والمرتدين.
وتحفّظ عليه البعض فدخل في جبة "التقية" ولم ولن يخرج منها حتى قيام الساعة.
وتغافله البعض.
ولعب عليه البعض فعاش بهلواناً يقفز من حبل إلى حبل ومن خطاب إلى خطاب.
وسأتركُ لك ساحة الخيار مفتوحة الأبواب والمقاصل والأرائك الوثيرة، لاختيار ما تراه مناسباً، إلا إذا رأيت معي واعتقدت بأن فكرك هو المتن وحياتك هي الهامش. إذ ذاك فاصعد معي إلى الحلاج وهو على خشبة صلبه رافعاً رأسه إلى السماء الفسيحة يناجي ربَّهُ ويستغفر لهؤلاء العامة المتجمهرين حوله تعطشاً لدمه، قائلاً:
".. وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك فاغفر لهم فأنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليتُ بما ابتليت".
ثم انظر إليه ساكتاً يناجي ربه سراً حتى تقدم منه السياف أبو الحارث ليلطمه لطمة بسيفه فيتناثر دمه على كل الجدران والانهار والعصور ممتزجاً بكلمات استغفاره وتسامحه الأثير للجماهير المغفلة التي لم " تعرف لون السماء لكثر ما انحنت الرقاب" ولم تعرف الفرق بين إيمان الفقيه أبي الحسين بن الاشناني وبين إيمان الحسين بن منصور الحلاج إلا بعد مئات ومئات السنين، بل ولم تهتد إليه إلا بعد أن اهتدى إليه ل. ماسينون و ب. كراوس لنتلقفه مصطلحاً شعرياً وفلسفياً وصوفياً أكثر منه درساً ومدرسة ومنهجاً وفكراً وطريقاً أثيرياً يتسامى على لغط الرقاب إلى قباب الوجود الضوئية.
العازف الجوال
12-03-2004, 01:42
المعرفة
هل نطمئن إذ نعرف أم نزداد قلقًا؟
أفي المعرفة أمل أم يأس؟
هل هي طريق خلاص أم طريق هلاك؟
ولكن أولاً، هل نمتلك يقينًا أم شكًّا؟ حقيقة أم افتراضًا؟ وسواء كان هذا أو ذاك، هل يقود إلى الخلاص؟
إنما.... أي خلاص؟
كلما ازددنا معرفة ازددنا شكًّا، فكل معرفة شك.
ومن يعرف أكثر يقلق أكثر، وييأس أكثر، ويهلك أكثر.
كل معرفة جديدة شك جديد ويأس جديد. حتى لكأنّ التفاؤل ليس سوى الجهل. حتى لكأنّ الجهل هو الخلاص!
المعرفة ليست ضوء النفق. شعاعٌ ما أن يكشف عتمةً حتى تتبدّى عتمات، مجاهل. والذين يدخلون نفق معرفتهم ليس أمامهم غيرُ العتمات، والموتُ في عتمة.
الجاهل لا يدخل الأنفاق ولا يحتاج إلى ضوء. يبرئه جهله، فيموت على مدخل النفق، في الضوء.
هل الجهل هو الضوء، والمعرفة العتمة؟ وهل بسبب المعرفة ينتحر المنتحرون ويَقتل القتلة ويموت الذين لا يجرؤون على الإنتحار أو القتل في الزاوية الصامتة من وحدتهم؟
وحدتهم التي جعلوا فيها زاوية للكلام، وزاوية لوداع الكلام؟
كل معرفة جهل، كل جهل يقين.
كل معرفة قلق، كل جهل اطمئنان.
ما يلغي فروقهما، ما يوحّدهما، هو الهلاك.
غير أن العارف يهلك في قلق معرفته، أما الجاهل فيهلك في اطمئنان الجهل.
العازف الجوال
16-03-2004, 23:21
هناك..حيث لا احد.. بين ركام البيوت ورفات الازاهير .. تناهى الى سمعي مواء حزين.. دنوت من القصيدة حين بلغ ايلول المشيب فتعرت الاشجار المستباحة ولفظت اوراقها الصفراءبين الطريق والمقصلة..كنت اشعر بحاجة للوقوف تحت مياه شلال يجلو عني الرماد .. لصلاة تغسل شراييني الصدئة .
اقتربت
ثمة هر بائس حزين القت به الريح في خزان مياه فارغ مهمل منذ سنين .. تصدعت جدرانه وانتشرت فيه الثقوب والشقوق .. هر بائس اصفر اللون كما المرحلة , احدى عينيه قد فقئت والاخرى كانت تحدق بي في شراسة وياس .
"..فكرت في ان الشراسة والياس لا يجتمعان الا عندما تشعر الكائنات بفقدان مصيرها .. بضياعها..
الشحوب اعترى جسده النحيل وبرزت عظام قفصه الصدري تكسوها مساحة رقيقة من الجلد .. يموء في حزن.. لا شيئ يستره سوى سماء ايلول التي اتشحت بالغمام الرمادي .. ولا شيئ حوله سوى الجدران التي تضيق تدريجيا مع مرور الوقت .. قلبه يخفق بشدة وجسده مشتت بين الشهيق والزفير.. والزفير والشهيق..
يصمت حينا ثم يموء .. يركض في كل الاتجاهات الاربعة , يتوقف منهكا وقد استبد به الاعياء.. يفتش بعينه المتبقية عن مفر من هذا السجن المتصدع ..
يموء
ثم يموء
ثم يموء
تسلقت الجدار المتصدع , قفزت الى داخل الخزان , مخلوقان متعبان في خزان مهمل , يبحثان عن الخلاص كل وفقا لتفكيره .. عن مفر من حد المقصلة لن يكون الا بتحطيم المقصلة .. ومن سجن في هيئة خزان..
كنت ارتدي ثياب القسيس, بيد ان الهر البائس راني بثياب الجلاد؟؟
وبرغم حالة الاعياء التي تعتريه , الا انه رفع جسده المتهالك فوق قوائمه لاخافتي.. لاجباري على التراجع وعدم انتهاك ما تبقى له من هذا العالم القذر..
اقتربت منه
انحنيت
مددت له يدي لانتشله
بيد انه غرس مخالبه في وجهي وفر ليلتصق بالجدار وهو يموء..
تحسست وجهي الجريح .. ودمي يسيل دافئا.. عذبا.. يرسم دربا متعرجا يمتد من الخد الى الذقن.. يتكوم.. يتجمع في قطرة هائلة.. يساقط فوق يدي.. فاطبق يدي فوق دمي واقبله..
التفت الى الهر البائس
اقتربت منه
اخذ يركض في كل الاتجاهات الاربعة التي ضاقت بنا , يصطدم بالجدار تلو الجدار , يرفع جسده فوق قوائمه وينوح, يفتقد الهدف في ركض هستيري مجنون, الهر..
ثم اخذ يحفر نفقا في احدى الشقوق مستعينا بقائمتيه الاماميتين , حاولت جذبه.. بيد انه استقر سريعا داخل النفق المسدود من الخارج, اخذت احفر النفق لاخرجه.. انحنيت
رقدت على الارض , وقطرات دمي السائح تتجمع فوق اشلاء سوسنةمحتضرة, بعد حين بدا المواء يتقطع..
يخفت تدريجيا..
يتحول الى ما يشبه الحشرجة ..
يتوقف..
م...م..................
تحول النفق الى قبر قط مات مكابرا..
طالبا الحرية باي ثمن..
توقفت عن الحفر , اخرجت يدي الدامية, وقد رسمت مخالب الهر فوقها شكل الفاس الذي سيحطم المقصلة..
* * * * * * * * *
...........................................
العازف الجوال
العازف الجوال
20-03-2004, 01:31
ساعة السفر
اقبل المطر
ارتحل المطر..
لا..
لا تكفن دمعتك المترقرقة من مقلة الوتر..
ولا ترسم بقايا الازاهير المحترقة
واشلاء الشجر..
فلم يزل النهر يسرى فى شرايين الشجر..
لا..
لا تشكو القدر ان فاتك وداع الزنابق
فقد حانت ساعة السفر..
* * *
كفنت الثريا..
وفى صدرى التف العوسج
حول اعناق الزهر..
شب الشوك فى حناجر العنادل
فارتحل الوتر..
* * *
اقبل المطر
ارتحل المطر
ياذا الرصيف الباكى خطانا
قد كان موعدنا فى السابعة
فليعذروا غيابى
انى على سفر..
* * *
لم تزل تسلنى عن نحيب النخيل
فى قاع الصور
وبطل ترسب فى فنجان قهوة
وامير ابتلعته الحفر..
لم تزل تسلنى عن شحوب المطار
عن كلاب الاثر..
عن رصيف ليس يذكرنا
وحبيبة رمت فوق رسمك الزهر
لا ترنو الى الاعماق الحزينة يا فؤادى
لم نزل على سفر..
* * *
لم تزل تسلنى عن الشاطئ البديل
واللحن الجميل
والظل الظليل
لم تزل تسلنى عن النجوم التى سنقطفها
فى الدرب المستحيل..
عن واحة بين ضلوع البيداء
يحرسها النخيل..
ونحن ندور مع الرحا
كلما الليل ابتدا..
فلنحزم اوجاعنا ياقلبى المهذار
لم تزل تلاحقنا الرياح والامطار..
* * *
الا تسمع ياقلبى صافرات السفن؟
الا ترى الموج يزبد فى مقلتى
وتبتعد المدن التى احببنا
وتنتشر المزن؟
الا ترى الوحل ينادينا
والزمن الاسن؟؟
* * *
هذى يدى مدت من بين الرمال
وانا اجوس بين الفيافى والجبال
لفظنى الموج
رسمنى المحال
عازفا مزقه الترحال
عازفا قدره الترحال..
* * *
المرفئ يبكى والرصيف
لم نزل فى الصيف ياقلبى
فكيف داهمنا الخريف؟؟
اخشى عليك ياقلبى من هذا المطر
وانا اشردك معى فى دهاليز السفر..
* * *
اقبل المطر
ارتحل المطر
وانا الملم اشلاء النجوم
وبقايا القمر
وردى يبتهل الى السماء
شرايينى تحن الى الدماء
صحرائى ترتقب المطر
هل اقبل المطر؟؟
هل ارتحل المطر؟؟
لست ادرى
فقد حانت ساعة السفر..
العازف الجوال
11-04-2004, 23:24
ما الجدوي أن أحاورك بالكلمة.. فتحاورني بالمسدس.. فلا حواري يصل إليك، ولا مسدسك يترك لي فرصة أن أتكلم أو فرصة أن تفهم، وبالتالي فكل كلام تحت قوس المسدس يبقي كلاماً خارج قوس الحوار.
ثمة أوطان تتحاور بالدبابات وثمة كتاب يتحاورون بالتقارير الأمنية والخناجر، لكن غالباً ما ينتهي بهم الأمر إلي الفجيعة: أوطاناً أو نصوصاً..
فحوار الطلقة يولّد مزيداً من الطلقات والأحقاد والجهل والجثث.. وحوار التقارير الأمنية يولد مزيداً من السجون والمعتقلين.. وكل هذا يبقي خارج قوس التأريخ.. ذلك أن الأمم لا ترتقي إلا بحضارتها، وحضاراتها لا تتكون إلا برقي ثقافاتها، وثقافاتها لا تأتي إلا من عصارة فكرها، وفكرها لا يأتي إلاّ من حوارها مع الذات والآخر.
إن العصر الذهبي الذي مر بالأمة العربية لم يكن عصراً ذهبياً لو لم تولد فيه مختلف التيارات الفكرية والدينية والسياسية، وتنشب فيه معارك المعتزلة والخوارج والشيعة والسنة والأباضية والمرجئة والجبرية والقدرية.. والخ.. والخ.
لم يكن عصراً ذهبياً ــ رغم نواعير الدم ــ لو لم تفتح دار الحكمة أبوابها لأرسطو وأفلاطون وأبيقراط والسفسطائيين وزرادشت.. والخ.. والخ.
فنشأ مبدأ الحوار بين الكلمة والكلمة والفكرة والفكرة والمعتقد والمعتقد، وبرغم بعض حوارات السكين التي سجلها التاريخ، لكنها تبقي ــ بالقياس إلي حوارنا المعاصر ــ عصراً ذهبياً، يستطيع فيه رجلاً مثل سعيد بن المسيب أن يقول أمام الملاً: (إذا رأيتم العالم يغشي الأمراء فاحذروا منه فانه لص) ثم ينزل من المنبر ماشياً إلي بيته مطمئناً، هادئ البال، دون أن يفكر بأن ثمة مسدساً كاتماً للصوت في انتظاره.
غير أن عصرنا لم يعد يتسع لسعيد بن المسيب.. ولا صدور مثقفينا تتسع للحوار، ذلك أن المسدس أسس بنيته الخاصة به حواراً وفكراً ومريدين ومصفقين ومثقفين مهزوزين يتمايلون كالقصب أمام الريح..
مرة صرخ الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين قائلا: (آه .. منا نحن المثقفين الجبناء) لم يقل ذلك إلا حين أدرك خطورة انهزام المثقف قبل خطورة انهزام السياسي.. فالمثقف يقود وعي الأمة، وهو حين يرتد أو يجبن أو ينهزم فأن ذلك معناه اهتزاز الأمة وسقوطها.. فحضارات الأمم تقوم علي وعيها وفكرها وليس علي سيفها ورمحها، فقد ينبو السيف وقد تكبو الخيل، فيكون ذلك خسارة معركة، ليس غير، فإذا ظل الوعي متحفزاً وناهضاً، فسرعان ما تستعيد الأمة خسائرها غير أن انكفاء الوعي قد يسبب خسارة أمة وتدهور حضارة لن تُسترد بالسيف أو المال. فالتاريخ كثيراً ما يحدثنا عن آلاف المعارك التي حدثت علي ظهر البسيطة بين غالب ومغلوب وهي كلها تنصب في مضمار الصراع حول المال والنساء والأرض والسلطة، غير أن معارك الفكر حفرت نفسها علي صفحات التاريخ وتغلغلت في وعي الأمم ووجدانها، وكانت هي المسار الذي شق للإنسانية طريقاً نحو التقدم والتطور والازدهار.
وكان فرسان الفكر كثيراً ما يسقطون مضرجين بدمائهم قرباناً لحرية الرأي والمعتقد، فيكونون كالشعل المتوهجة في الظلام ينيرون للأجيال دربها الطويل. أما جبناء الفكر الذين كانوا ينهزمون من أول الشوط فهم السبب وراء عصور الظلام التي مرت بها أمتهم، فهم غالباً ما ينكفئون علي أعقابهم نتيجة الخوف، فيزورون التاريخ ويشوهون الحقيقة ويضللون الشعوب. وهم لا يقلون خطورة عن سماسرة الفكر وتجار الكلمة لذلك جاءت صرخة عزيز نيسين لتهز نواقيس الخطر في زمن السبات وخنوع المثقفين لرؤسائهم. وهذا هو ما يولده المسدس بين الثقافي والسياسي علي مر العصور مسوخاً أو جبناء أو شهداء أو صامتين أو منفيين...
.. تراهُ لا يفتتح مقالته إلاّ بالحديث عن الحوار الديمقراطي، ولا يختتم أمسيته الثقافية إلاّ بالدعوة الملحة إلي الانفتاح الديمقراطي، ولا يتناول فطوره المكون من بيضتين مسلوقتين إلاّ ويرشهما بملح الديمقراطية، ولا ينام في آخر الليل إلاّ بعد أن يتناول قرصاً ديمقراطياً مهدئاً يبعد عنه ما قرأه وما سمعه في النهار من كوابيس الحوارات المتشنجة ولغة السياط ونقاش المسدس... وتعجب من أسلوبه الديمقراطي حين يفتح لك باب الحوار علي مصراعيه ويدعوك أن تبدي وجهة نظرك بلا خوف أو تردد، مستهلاً دعوته بدزينة من الأقوال والمصطلحات والحكم المأثورة منها يقول شارك تايلور: (الديمقراطية هي فن الاعتراف بالآخر)، ومنها قول آلان تورين: (إن الديمقراطية لا تقوم فقط علي قوانين بل تقوم قبل كل شيء علي ثقافة سياسية)، ومنها قول الشاعر العربي: (واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية)، ولا ينسي طبعاً أن يحدثك عن موقف فولتير من روسو وكان علي خلاف فكري عنيف معه،حتي إذا صادرت السلطات السويسرية كتاب روسو وأمرتْ بإحراقه كان فولتير أول المدافعين عنه تمسكاً بمبدئه الشهير: (أنا لا أتفق معك في كلمة واحدة مما قلته ولكنني سأدافع عن حقل في الكلام وحرية التعبير عن أفكارك حتي الموت).
وتطمئن إلي سعة صدر الرجل، فتتوكل علي الله وتبدي رأيك في كتاباته إطراء ومدحاً وهو منبسط الأسارير، متهلل الوجه، لكن ويا للعنة من لكن، ما أن تقول له أن لك رأياً مخالفاً حول نقطة صغيرة في الموضوع الفلاني حتي يكفهر وجه الرجل وتتغير ألوانه: أخضر ثم أصفر ثم أحمر وقبل أن تكمل ملاحظتك الثانية حول أسلوبه في الكتابة، تراه قد كشر عن أنيابه لافتراسك جملةً وتفصيلاً، فتذكره بأفلاطون وديمقريط وتايلور فيشتم تاريخك وتاريخ الفلسفة اليونانية، وتعيد إليه ما رواه عن فولتير فيحمل طبق البيض ليرميه في وجهك، وتحاول تهدئة الموقف فتقول له: ماذا عن (اختلاف الرأي الذي لا يفسد للود قضية، فيتهمك بالعمالة والجاسوسية والاستخباراتية والخ، والخ، حتي تخشي في حمي تصاعد اتهاماته أن يمسك سماعة التليفون ويتصل بالبوليس لتضيع بـ (شربة ماء).. غير أن جرس الباب يرن، فتحمد الله أن زوجته تدخل لتقول له إن صحفياً علي الباب يروم أجراء حوار مع حضرته عن سبل الحوار الديمقراطي الكفيلة بتطور الشعوب، فتتغير خريطة ألوان وجهه عكسياً وتهدأ أساريره ويبتسم لك برقة ولزوجته بعطف وللصحفي بمودة لا متناهية ويبدأ حديثه عن أفلاطون وديمقريط وشارل تايلور والآن تورين واختلاف الرأي الذي لا يفسد للود قضية وموقف فولتير من روسو.. والخ، والخ.. فتفغر فمك دهشة لا تستفيق منها إلا حين ينهض الصحفي بأوراقه الممتلئة منتفخ الأوداج طرباً بما سمعه من حديث شيق لا أجمل منه ولا أنفع ولا أمتع عن الحرية والديمقراطية وتعدد الآراء واحترام الفكر، سيكون هو المانشيت الأول علي صدر صحيفته، ويصافحك بحرارة ــ وهو يتجه إلي الباب ــ متمنياً لك وقتاً سعيداً ومفيداً بصحبة صديقك المفكر الديمقراطي الكبير...
فتطمئن للرجل، وكلُّ غريب للغريب نسيب ــ علي حد قول امرئ القيس ــ لكنك في أول خلاف فكري معه تكتشف أن جلاد بلدك الذي هربتَ منه أكثر رحمةً وتسامحاً وتجد نفسك في مفارقةٍ لا تُحسد عليها، فوظيفة السوط أن يجلد بينما وظيفة القلم أن يعلم ويحاور وينير، فكيف تحول القلم بيد صاحبنا إلي سوط أكثر قسوة من سوط الجلاد نفسه، هل لأنه يمارس شهية تقليد الجلاد فيتفوق عليه، والي ذلك يشير ابن خلدون في مقولته (الضحية يقلد الجلاد) أم لأنه يعرف مواطن الألم والضعف في داخلك، وإلي ذلك يشير المفكر علي حرب في قوله (أن المثقف يفعل ما تفعله السلطات السياسية عندما يحل مكانها، بل هو يتصرف علي نحوٍ أسوأ، يشهد علي ذلك ما يمارسه المثقفون من الاستبداد والإرهاب بعضهم ضد بعض آخر). وتضحك، فالمخبر الذي كان يطاردك من رصيف إلي رصيف ومن مكتبة إلي أخري هو موظف لدي الدولة يستلم راتبه ويعتاش عليك، لكن زميلك المثقف الذي كرس حياته لا للأدب وكتابة نصوصه الإبداعية بل لتدبيج التقارير السرية عنك وعن رفاق القلم والمثقفين داخل الوطن وخارجه، كان يعمل للسلطات تطوعاً ومن دون أجر... وتحتار أيها الأنذل وأيهما الأشرف؟.
العازف الجوال
19-04-2004, 22:49
مرثية عازف النشيد الوطني
فرّغتك الحروب
.. من الحب
ها هو قلبك طبل،
يرنّ - على جلده المتقرنّ- نقر الأناشيد
تحمله جوقة العازفين
الى ساحة الاحتفالات
حيث الجموع التي تتلاطم من حوله
ثمّ ترتدّ - محفوفة بالبنادق-
لم تقترب ساحله
تردد محمومة:
- عاش حامي البلاد
فتسمع جوفك يصرخ:
- عا... ث...
فيلكزك المنشدون
انتبهْ
الحروف نميمة ريح
والطبول لحاء تساقط من مقصلة ْ
.........................
...........................
يدفعونك للقبو...
تنبح خلف دماك التقارير
والمقل القاحلهْ
فيصرخ فيك المحقق مرتعبا:
- كيف بدلت شين الرئيس
بثاء تعيس
سللت إليك المناشير
في لحظة غافلة
- يا سيدي...
انه محض طبل
تشقق من كثرة الضرب
فاختلطت في تجاويفه الأحرف الماثلة ْ
....................
....................
.....................
عندما أخرجوه
من الكوّة المقفلة
بعد .... عاما.....
لم يجد غير كنس الشوارع
مما تخلفه المرحلهْ
هكذا ظلّ يحلم بالثورة المقبلة ْ
غير ان السياط التي ملّحت جلده
فوق طاولة الأسئلة ْ
لم تعد تسمع النقر يصعد
يصعد
في روحه الصاهلة ْ
فرموه الى المزبلة ْ
العازف الجوال
18-05-2004, 00:34
الفلوس والرؤوس في حركة التاريخ
يذكر أبن الاثير في كتابه "الكامل في التاريخ" " ان الرجل اذا أخّل بواجبه الذي يُكتب اليه أو جبن في الحرب أو ترك الثغر ـ زمن الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي ـ نُزعتْ عمامته ويقام للناس ويُشهر أمره، فلما ولي مصعب قال ما هذا بشيء وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحى فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يُرفع الرجل عن الارض ويُسمّر في يديه مسماران في حائط فربما مات وربما خرق المسمارُ كفه فسلم فلما كان الحجاج قال: هذا لعبٌ، اضرب عنقه من يَخْلِ مكانه مَنْ الثغر".. والخ، والخ...
واتركْ رواية ابن الاثير في مسلسل العقاب وتطور الارهاب وتعال الى القاضي الديار بكري المالكي وهو يصور لنا مسلسلاً اكثر رعباً في واحدة من أكثر فصول التاريخ العربي مفارقة ووحشية فيقول: " في سنة 71هـ جلس عبد الملك بن مروان في قصر الامارة في الكوفة ووضع رأس مصعب بين يديه فقال له عبد الملك بن عُمير: يا امير المؤمنين: جلستُ انا وعبيد الله ابن زياد في هذا المجلس ورأس الحسين بن علي بين يديه ثم جلستُ انا والمختار بن أبي عبيدة فاذا رأس عبد الله بن زياد بين يديه، ثم جلستُ أنا ومصعب هذا فاذا رأس المختار بين يديه ثم جلستُ مع أمير المؤمنين فاذا رأس مصعب بين يديه وأنا أعيذ أمير المؤمنين من شر هذا المجلس، فأرتعد عبد الملك بن مروان وقام من فوره وأمر بهدم القصر".
واتركْ القاضي المالكي في مسلسل تبادل قطع الرؤوس الذي جرّ التأريخ العربي الى المسلخ من اجل كرسي الحكم، وتعال الى رشيد بن الزبير في كتابه "الذخائر والتحف" وهو يروي: " ان محمد ابن سليمان احد عمال الرشيد ترك 50 الف مولى. ولما ولي البصرة اهدى الى الخيزران مئة وصيف بيد كل وصيف جام ذهب مملوء مسكاً، فقبلت ذلك منه".
واتركْ أبن الزبير في مسلسل الفلوس والعبيد والهدايا وتعال الى الجاحظ في بخلائه وهو يتحدث عن حال بعض الناس في زمانه الذين كانوا يسمعون "بالشبع سماعاً من افواه الناس".
واخرجْ من كل هذا الى حركة الفكر العربي الذي لم يكن بمعزل عن هذا المشهد باي حال من الاحوال من مسلسل الرؤوس الى مسلسل الفلوس وما بينهما، وأستقريء معي تاريخ الفكر هذا وما تعرض المفكرون والفلاسفة والعلماء والفقهاء والشعراء والكتاب من اغتراب واستلاب وارهاب أدى الى تلك النهايات المفجعة لعدد من المتمردين والمختلفين والزهاد الذين رفضوا الوقوف على ابواب السلاطين.
لكنك في المقابل تجد مئات الدواوين وآلاف القصائد ضاجةً بمدح هذا السلطان او ذاك بل لا يكاد يخلو خرج شاعر عربيٌ قديم ـ إلا القلة النادرة منهم ـ من قصيدة مدبجة لممدوح، وينطبق هذا الأمر على عدد كبير من كتب التاريخ والفكر والفلسفة والطب والحكمة والترجمة والقصص والخ... حتى ان الجاحظ الذي وُصف بأنه "عين ساهرة لا تغفو إلا على كتاب ولا تفيق إلا على كتاب". حينما سُئل عن حاله وصنيعته في البصرة، قال: " اني أعيش مع جارية وخادمة وخادم وحمار. أهديتُ كتاب الحيوان الى الزيات ـ الوزير فأهداني خمسة الاف دينار وأهديتُ كتاب البيان والتبيين الى الوزير أبن أبي داوود فأعطاني خمسة الاف دينار وأهديت كتاب الزرع والنحل الى ابراهيم بن العباس فأعطاني خمسة الاف دينار فأنصرفتُ الى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج الى تجديد وتسميد".
وفي البصرة نفسها كان النضر بن شميل أوحد أهل زمانه في الفصاحة والادب لا يجد ما يأكله. وحين خرج الى خراسان، خرج في توديعه آلاف الناس فقال لهم: "يعزُّ علي والله فراقكم ، ولو وجدتُ عندكم كل يوم كيلة من الباقلاء ما فارقتكم". وعاش ابو حيان التوحيدي في بغداد معدماً بائساً وأضطر الى احتراف نسخ الكتب، وفي آخر أيامه أحرق كتبه ضناً بها على الناس.
ورغم ضيق الهامش الذي أتاحه السلطان للمثقف العربي وربطه بعجلته واخضاعه لرقابته الصارمة إلا ان هذا الهامش كثيراً ما يطغي على المتن نتيجة قوة اشعاعاته الفكرية وتأثيره على حركة التأريخ ومسيرة المجتمع الذي يُراد تسييره وفق منهج الرؤوس والفلوس.
ورغم الخسائر الفادحة التي تكبدها المفكرون والمثقفون في تلك المناخات، ورغم التزوير الذي قام به البعض تحت سياسة الترغيب والترهيب إلا ان الثورات الفكرية التي كانت دائماً تؤكد انحيازها للعامة، تركت لنا تراثاً فريداً يمكننا الاتكاء عليه لأستقراء تاريخ الناس وافكارهم وهمومهم والذي تغافله مؤرخو الملوك، وكذلك تلمس الحياة العامة والصراعات الفكرية والسياسية وعلاقات الحب والتقاليد الاجتماعية التي صورها الشعراء في قصائدهم بعيداً عن بلاط الملوك
العازف الجوال
11-08-2004, 23:55
أقف لأول مرة في حديقة الهايد بارك Hyde Park، أتلفت بين الأشجار بحثاً عن حنجرتي فلا أجدها..
أربعة وأربعون عاماً من الهلع والتلفت والهمس المبحوح أين أذهب بها الآن في هذه المساحة الشاسعة من الحرية التي انفتحت فجأة أمام عيني، فلا أكاد أعقلها، كسجين أنفرادي يتطلع لأول مرة الى زحام شارع عام في نهار مشمس..
تختلط في عيني الأشجار والأصوات والسياط والرؤوس الحليقة في ساحة الإعدام بالأجساد الناعمة النائمة هنا على العشب والمصطبات والأغاني وخفق البطوط السابحة بأمان، فأجد نفسي مشطوراً بين ذاكرتين لا ترحمان، ولا تلتقيان.
أخرج من حقيبتي كتاب "تاريخ العنف الدموي في العراق"الذي أستعرته من الشاعرة السورية لينا الطيبي وأرمي أوراقه في وجوه المارة، فيتهمونني بالجنون بينما أنا بكامل قواي الشعرية، لكن ما أقوله لا يفهمه أحد كأنني قصيدة نثر في القرن الأول الهجري.
أتمدد متعباً على العشب فتصعد الى أذني ملايين الأصوات والأحلام والقبل التي تركها أصحابها ومضوا..فأمسك أقرب شجرة وأهزها بجنون:
ماذا لو كان لنا في الوطن حديقة حرية بمساحة الهايد بارك نصرخ بها كما نشاء مطمئنين آمنين، لا مخبر يتعقبنا ولا كاتم صوت في أنتظارنا.
ماذا لو كان في جرائدنا صفحة هايد بارك نقول بها مانشاء دون أن يطاردنا مقص الرقيب.
ماذا لو عممنا الفكرة الهايدباركية في ندواتنا الثقافية ومناظراتنا الفكرية ومناقشاتنا السياسية وعلاقاتنا الاجتماعية فغدت واحة مفتوحة من الحرية والحوار والأزدهار.. بدلا من شعارات الديقراطية ولافتات الحرية المعلقة للزينة فقط في كل شوارعنا العربية.
ما الذي يحدث؟
ولماذا التوجس من سماع وجهة نظر الآخر. ربما تكون صحيحة فتغني وتبني، وربما تكون خاطئة فتصحح بالحوار وليس بالمسدس كما يحدث في بلادنا، وربما تكون بين بين فنثري بها وتثرى بنا أخذاً ورداً وتصوراً ومناظرة وتوسعاً.
ولماذا الخوف من الكلمة التي مهما حبسوها فأن جذورها ستنمو في داخل الروح وستتفتق ذات يوم.
ولماذا ولماذا ولماذا ولماذا
"أكتبُ ويدي على النافذة
تمسحُ الدموعَ عن وجنةِ السماء
أكتبُ وقلبي في الحقيبةِ يصغي لصفيرِ القطارات
أكتبُ وأصابعي مشتتة على مناضدِ المقاهي ورفوفِ المكتبات
أكتبُ وعنقي مشدودٌ منذ بدءِ التاريخِ
إلى حبلِ مشنقةٍ
أكتبُ وأنا أحملُ ممحاتي دائماً
لأقلِّ طرقةِ بابٍ
وأضحكُ على نفسي بمرارةٍ
حين لا أجد أحداً
سوى الريح"
العازف الجوال
09-11-2005, 01:35
ربما الماء يروب ،
ربما الزيت يذوب،
ربما يحمل ماء في ثقوب ،
ربما العاصي يتوب ،
ربما تطلع شمس الضحى من صوب الغروب ،
ربما يبرأ شيطان ، فيعفو عنه غفار الذنوب،
.إنما لايبرأ الحكام في كل بلاد العرب من ذنب الشعوب
vBulletin v3.6.4, Copyright ©2000-2009
Translated by SyriaNobles