المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : نصب آخر للحرية!


Greater
31-03-2004, 07:53
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الثلاثاء 30 آذار 2004
ترجمتها عن الإنكليزية هالة جديد
كذبول فاكهة الصيف وتلفها تحت قيظ شمس حارقة، وبمثل هذا الوصف تخربت ملكة السمع والبصر والنطق، عندما ضربت الطفلة هيلن****** كيلر حمى كاوية أغرقتها في غيبوبة الهذيان، لتصحو وهي صماء بكماء عمياء.. وتأهيلها في مدارس المعوقين كان أمراً متعذراً، كما أوردت تقارير الأطباء إبان حقبة تفتقر إلى الوسائل المتطورة في هذا الميدان.

الطفلة البائسة احتضنها منزل أب رؤوف وأم رؤوم، رغم حدة طباعها؛ وإذ تنتابها نوبات الغضب عند ارتدائها ثوباً داكناً تكتشف لونه بمجرد لمسه، حتى تبدي رفضها بتمزيقه. ‏

كانت هيلن تتحسس بأناملها الألوان الزاهية التي تقابلها بابتسامة الرضى، أما زوارها المقربون الذين تميزهم عن الغرباء بعد شهيق تأخذه ملء رئتيها فتسارع إلى إمطار محبيها بالقبلات.. رهافة وحدة حاستي اللمس والشم عند (هيلن) قلما نجدها بين البشر، وأمام هذه الهبة الالهية أخذت السيدة (سيلفانا) الاختصاصية في تأهيل المكفوفين على عاتقها انتشال الفتاة من ظلمتها، تساعدها زميلة لها باع طويل في معاهد الصم والبكم. ‏

Greater
31-03-2004, 07:53
الجلسات الأولى تتعاقب برسم الأبجديات فوق راحتها الممدودة، وحصص علم الصوتيات تطول، تشير إلى مخارج الحروف.. فبعضها مصدره تجويف الحلق، ومجموعة تطلقها إطباقة الشفتين، وقسم يلفظ بلصق اللسان مع الأسنان. هكذا جاءت البداية والتلميذة تمرر أصابعها على أعضاء الفم الداخلية والخارجية، تقيس مبعث نطق الكلمات.. بانصرام عقد زمني من التدريب المضني، قطعت شوطاً لايُستهان به، عندما تعرفت على هويتها تسطر اسمها ومولدها عام1880 في ولاية الباما الاميركية.. ولعل أروع ما أبدعته لوحة تمثل تدرج الوان الغروب لتبدو صورة لاتبتعد قيد أنملة عن اللوحة الأصلية. ‏

رسالة تأهيل هيلن****** كيلر تمتد لعقد آخر، أنهت خلاله مرحلة التحصيل المدرسي، لتطرق بحواسها المعطوبة جامعة واشنطن، وحيازتها على شهادة الدكتوراه من قسم الفلسفة، لم تكن فخرية، بل استحقاقاً نالته بجدارة، وإلى حيث موقعها في معاهد تأهيل المعوقين التحقت بعملها تطبق كل ما شبت عليه. ‏

حرصت هيلن على الابتعاد عن أضواء الشهرة، ترفض حفلات التكريم واللقاءات الصحفية بوساطة بريد يصلها لتدوين إجابتها.. أما حفل تخرجها الجامعي فهو مناسبة تستدعي حضورها مع مجموعة دورتها. ‏

لدى دخولها قاعة الاحتفال بدت سيدة فارعة الطول، أنيقة المظهر، ترتدي ثوباً يعكس زرقة السماء، تزين عنقها قلادة ذهبية هي الأغلى على قلبها من حيث قيمتها المعنوية. إنها الهدية التي اقتطع ثمنها تلامذة مدارسها من مصروفهم اليومي. ‏

Greater
31-03-2004, 08:08
تقدمت هيلن وسط الحشود، تدنو بأنفها لتنتقي بحاسة الشم أصدقاءها وأساتذتها، تقابلهم بلهفة العناق. كلمة الختام ألقتها السيدة سيلفانا****** بركيس، وصوتها يغص بالبكاء: «كقديسة تود احتضان كل ذي عاهة، أطلت هيلن تتلمس طريقها بذراعيها المبسوطتين... يالجلال منظرها الذي يضاهي نصب الحرية الشامخ في مدينة نيويورك... إنها رمز آخر للتحرر من أغلال العجز والاعاقة». ‏

هيلن****** كيلر التي غيبها الموت عام1968، أدرج اسمها في موسوعة العظماء والرؤساء والعباقرة حسب التسلسل الأبجدي تحت حرف الكاف تجاور الرئيس الامريكي جون كيندي والعالم روبرت كوخ مكتشف عصيات السل وصولاً إلى المناضل (كيم****** إيل****** سونغ) والمفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي. ‏





كتاب: الحواس المعطوبة ‏