المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : وحده مع أبيه عزف بريشة النسر وطوّع العود للجاز والراغا الهندي


شاي
26-01-2005, 12:49
عمر بشير، موسيقي عراقي شاب، مهجوس بإنشاء مدرسة للعود من مشرق الوطن العربي الى مغربه. هي فكرة والده الموسيقار الراحل منير بشير، التي يسعى عمر الى تحقيقها، من خلال نيته الاقامة النهائية في لبنان والمباشرة بالعمل على حلمه. عن مدرسة العود العراقية، وعن تمايزها من بلد عربي الى آخر، وعن الارتجال والتكنيك وسائر العناصر العزفية، كان لنا معه هذا الحوار، في زيارته هذه الى لبنان، التي تدوم لما بعد التاسع من شباط، حيث يحيي حفلا موسيقيا في جامعة البلمند طرابلس.
› ماذا بقي من مدرسة العود العراقية؟ وهل يمكن تلخيصها بمنير بشير فحسب؟
 مدرسة العود في مرحلتين: مرحلة قبل المعلم الكبير الشريف محيي الدين حيدر، ومرحلة بعد الشريف محيي الدين حيدر. حيدر هو من عائلة مالكة، تركي الأصل، ترك الملوكية وذهب للعراق ليعلم آلة العودة باسلوب حديث وتقنية جديدة، وبسبب هذه الآلة طرد من العائلة الملوكية معتبرا ان الفن أرقى من الملوكية. كان يتتلمذ عليه جميل بشير وايضا منير بشير وغانم حداد وسلمان شكر. كل من هؤلاء اتخذ له اسلوبا في العزف لكن اكثر من برز بينهم هو منير بشير وجميل بشير كشهرة عربية، وعالمية.
منير بشير أسس مدرسة مهمة للعود. وكل عازفي العود في العالم يقلدونه، والسبب ان منير كان متعمقا بتحليل المقام العراقي وهو أول من قدم عزفا منفردا على آلة العود بعد مرور عشرات السنين في العزف على هذه الآلة، فقط لمرافقة المطربين او العزف مع تخت شرقي.
› ما هو هدف ومميزات منير بشير العزفية؟
 هدف منير بشير هو تمكين هذه الآلة من اللعب منفردة كبقية الآلات الموسيقية الموجودة في العالم. يؤكد منير بشير على امكانية هذه الآلة كطرب وتكنيك.. الخ. هذا الكلام كان سنة (1954)، وايضا منير بشير هو الذي اضاف تغييرات الى آلة العود من الناحية الصناعية، صار العود الحالي يسمى بعود منير بشير، وهو يختلف عن العود الشرقي القديم. وهذا هو العود الذي يحب المؤلفين التأليف عليه بسبب مساحاته الصوتية و<<الدوزين>> ولأن ايقاعه منفتح اكثر من القديم.
منير بشير يتيح لعازف القانون ايضا التعلم من اسلوبه، المسحوب على آلات عدة. هذه هي مدرسته. ألمّ جميل بشير بالموسيقى الغربية، هذا ما اضاف الى اسلوبه في عزف العود بالاضافة الى كونه عازف كمان محترفا. تقنية وتكنيك عزف الكمان أسقطهما على العود فأصبح للأخير اسلوبه الخاص وتلامذته. كما انه اضاف بعض النغمات الموسيقية الجديدة الى آلة العود. اشتهر العراق بالعود، وأشهر عازفي العود هم من العراق (اقصد من يقدم الريستال) المنفرد.
السلالة
› من أنت في هذه السلالة العزفية؟
 أنا في آخر سلالة عائلة بشير للعود وكان لي الحظ ان أكون من هذه السلالة. تعبت كثيرا لأستقل عنها واتفرد بأسلوبي الخاص. وهذا أتى من التمرين اليومي والاستماع الى موسيقى شعوب العالم، وهذا لا بد منه للفنان كي لا يكون بعيدا عن حضارات العالم، علما بأن كل الموسيقى تعود الى بلاد الرافدين (الهندي والاسباني وحتى بعض الموسيقى الغربية).
› أنت من الجيل الجديد، هل يكفيك مجرد العزف، على العود كما فعل الآباء؟
 أنا من الجيل الجديد، ولا يمكنني الاقتصار على عزف العود فقط مع كونه امنيتي. كوني من الجيل الجديد عملت على محاورة آلة العود مع آلات غربية. غيري عمل هذا ولكل اسلوبه. عندما عزفت فلامنكو اسبانياً في اسبانيا، لم اعزف فقط الموسيقى الشرقية على العود، عزفت على العود، الفلامنكو، وجعلت العود يعزف<<جاز>> مع عازفي الجاز، وجعلته يعزف <<الراغا>> الهندي. دعوت الشبان الى سبر امكانيات هذه الآلة. هي ليست متخلفة كما يقول البعض. استفدت من منير بشير، من أسرار العود التي علمّني إياها مثل طريقة العزف بالريشة ومتى تعزف بخفة او بخشونة. انا ومنير بشير فقط نعزف بريشة النسر وايضا زرياب كان يعزف بريشة النسر. أما لماذا بريشة النسر فلأن هذه الريشة تمنحك احساسا أرقى بكثير من ريشة النايلون او البلاستك فضلا عن الصعوبة التي تتأتى من العزف بريشة النسر. هذه الريشة تمنحك المقدرة. وأنا أعزف بها منذ كنت في سن الخامسة. الامر الآخر المهم الذي تعلمته من منير بشير هو ان تربّي جمهورك على عزفك، وبامكانك ان تجعله يبكي فرحا، او يمتلئ سعادة او حتى يرقص. هناك ايضا احترام الجمهور لك كعازف منفرد على المسرح مما يجعلك تدخل الى حلم كل حاضر وتمنحه فكرة خاصة عن موسيقاك.
› نحن في زمن البصريات، هل تؤمن بالفيديو كليب؟
 <<أنا لست ضد الفيديو كليب>>. ولكن ضد كل ما يشوه الموسيقى العربية ويخرب الاجيال الجديدة. الموسيقى تربية. ليس بامكانك تربية جيل جديد على موسيقى تافهة. الثقافة والفن ارقى من السياسة ومن اي شيء في العالم. عندي رغبة بالعمل على فيديو كليب مع العود، شرط ان يكون راقيا وخاليا من الزخرفة الحالية (السيارات، النساء).
هناك هبوط ثقافي كبير سببه شركات الانتاج والقنوات الفضائية، والاثرياء الذين يقررون مَن من المطربين يذهب الى هذا المهرجان وذاك. هذا تدمير للفن والفنانين.
لا توجد مسارح مهيأة لعزف ريسيتال موسيقي او آلة منفردة، خذي بيروت على سبيل المثال ترَي كم من المسارح أقفلت مؤخرا فيها ومنها <<مسرح المدينة>> العظيم. انا انطلقت من مسرح <<المدينة>> ومن بيروت. اشعر بطعنة في صدري حين أسمع أن مسرحا قد اقفل او صالة سينما. اين هي البرامج الثقافية على القنوات الفضائية؟ هناك فقط الاغاني ولا غير. لا يوجد غناء من دون موسيقى ولكن توجد موسيقى من دون غناء. لذلك الجمهور الغربي يحترمنا كفنانين موسيقيين، ويقدرنا اكثر من الشعب العربي. اكثر العازفين المنفردين يعيشون في الغرب ومنهم انور ابراهام وربيع ابو خليل وعمر بشير. سبب وجودنا في الغرب هو احترامهم لنا ولآلاتنا الموسيقية وحضارتنا العريقة.
الارتجال
› الارتجال حال اساسية في موسيقاك وعزفك، هل توافق؟
 أنا أرتجل الموسيقى، واعتبر ان الفنان الذي يؤدي عزفا منفردا ولا يؤدي الارتجال فنان عادي لأن الارتجال هو الذي يمنحك شخصيتك واسلوبك الخاصين، ويمنحك فرصة لتقديم مهاراتك العزفية على العكس من العزف على <<نوتة>>، الامر المتشابه مع الكل.
الموسيقى العربية لم تدون ولم يكن هناك نوتة. النوتة او التدوين جاء من الغرب وموسيقاه. النوتة أفادت الموسيقى العربية وحمتها من الضياع، ولكن حدت من تميز الفنانين ومن تقديم شخصياتهم المنفردة.
› ما هو هدفك الفني تحديدا؟
 هدفي الوحيد ان أري الغرب وأوصل ما بدأه منير بشير وما قدمه لهذه الآلة، مع تميزي الخاص وبدون تشويه للقاعدة الاساسية. طريقة عزفي للمقام تختلف عن طريقة والدي ولكنها الطريقة العراقية. وهي تختلف عن طريقة والدي بالمساحة الصوتية، وبالريشة، وأنا ايضا بسبب وجودي في الغرب، تأثرت بالموسيقى الغربية التي منحت موسيقاي بعض الهارموني الغربي ولكن ليس على حساب تخريب الموسيقى الشرقية.
› المدرسة المصرية، والمدرسة العراقية، نقاط الالتقاء والاختلاف؟
 المدرسة المصرية مدرسة طربية اكثر منها تقنية. هناك ممدوح الجبالي (ملحن وعازف) أحبه وأحترمه لقدرته على العزف مع مطرب ومرافقته، وقدرته على العزف المنفرد لساعتين او ثلاث، وهو فنان يمتلك اسلوبه. في المغرب هناك ادريس الملومي الذي له اسلوبه الخاص وهو قدير على عزف المقامات الاندلسية والمغربية. هناك ايضا شربل روحانا في لبنان، وهو يتجلى مع الفرقة اكثر من العزف المنفرد.
› هل يعاني الفنان العربي عقدة نقص تجاه الغرب، فيعمل على تخريب آلاته الموسيقية بحجة تكيفها مع الآلات الغربية؟
 لدينا عقدة نقص تجاه الغرب، ونعتبر كل ما هو آت من الغرب جيدا. <<الكيبورد>> المشرق هو اكبر تخريب للموسيقى العربية لأنه بعد دخوله على التخت الشرقي اختفى الناي والعود وكافة الآلات بسبب ان عازف الكيبورد يصادر جميع الآلات الموسيقية الاخرى، مثل العود والناي والقانون وسواها، فيلعبها جميعها وبذلك يوفر لمتعهدي الحفلات الكثير من المال ما يجعل الاستعانة به مطلوبة بشدة. ثم هل سمعتِ عن تعديل من الغربيين في آلة البيانو او سواها. نحن فقط من نخرب موسيقانا التي هي امانة في أعناقنا من موسيقيين كبار نسيء اليهم بمثل هذا العمل.
› حدثنا عن اقامتك الحالية في بودابست، وعن البلدان العربية التي مكثت فيها كثيرا او قليلا؟ ماذا افادتك؟
 أنا حاليا في بودابست لأن أمي هناك وأسكن معها وهي هنغارية في الأساس. اشعر بحنين الى ذلك المكان لأنني ولدت فيه وفيه جذوري، غير انني تربيت في العراق. لبنان كان انطلاقتي، قدمني للعالم وأريد ان أستقر فيه. اقامتي لفترة بسيطة في مصر افادتني. لقد احتضنوني هناك اعلاميا وفنيا، والمعروف ان المصريين لا يساعدونك اذا لم يتلمسوا فيك موهبة وشيئا جديدا. غير انني من جهة اخرى حوربت من العديدين الذين خافوا ان آخذ مطرحهم. العالم العربي لا يعترف بكِ كما يفعل العالم الغربي. لغاية الآن عندي اربعة عشر C.D موجودة في الاسواق العالمية، ونادرا ما تعثرين على أحدها في العالم العربي. تدربت على موسيقاي وبذلت جهودا لأجلها، وتعلمت من الشعوب موسيقاها، حتى انني عشت مع الغجر في اسبانيا وأخذت عنهم موسيقاهم.
› ماذا عن أمنيتك للعراق الحالي، وعن حلمك؟
 العراق بلد حضارة ولا يمكن لأي كان ان يدمره. اميركا تسعى الى تدمير الاجيال الجديدة من احساسها بالنقص حيال حضارة العراق لأنها بلد بلا حضارة. وحلمي ان ينضب النفط من الوطن العربي كي نعزز ثقافتنا ونعيش عليها. النفط هو الضريبة الفادحة التي يدفعها المواطن العربي.