باسمة
11-06-2002, 09:48
دخل أبو لطفي بيته مساء .. ينادي على زوجته منذ لحظة فتحه باب البيت ..
- أم لطفــــــــيييييي ؟؟ وينك يا ضرابة ؟؟
- هون هون .. عمأنضرب على قامتي ..
يدخل غرفة الجلوس .. يجلس على الكرسي القريب ..
أم لطفي تطوي الغسيل ..
- شو وين الفصاعين ؟
- اندفسوا ..
- شو زهرمتيهم قبل ما ينخمدوا ؟
- السم الكراتي يللي بيتسمموه كل يوم ... حواضر ..
- ابنك الشنتير رجع من جهنم الحمرا ؟
- لهلأ ما رجع هالتيس .
- صحيح .. على سيرة التيس .. كيفو أبوكي ؟؟
نكتة معروفة هي .. مع بعض التحوير لتصلح للانتداء ..
تذكرتها اليوم و أنا أقول في نفسي : صحيح الملافظ سعادة ..
و كل ما زاد عن حده .. انقلب إلى ضده ..
في عائلتي .. المسألة على العكس تماما ..
شيء يشبه ما يسمى في دمشق : " بيت فستق " مع بعض الاختلاف .
و بيت فستق ذهبوا مثلا لشدة تقيدهم بأصول الحديث و التصرف .. و المجاملة ..
كل شيء له إتيكيت .. و كل شيء له أصول ..
أما الاختلاف في عائلتي عن بيت فستق .. فهو أن الألفاظ مختارة بعناية بحيث تحقق الشروط التالية :
1- يجب أن تخلو الجمل جميعها من ألفاظ من نوع : تؤبرني ، تطلع على قبري ، تكفني ، و ما إلى ذلك من كلمات تحمل في معانيها العاطفة المتقدة ، أو الحب العارم المجلل بالكوارث.. حتى لو كان للأولاد .. أما الزوج فلا يمكن أن تلحق به هذه الألفاظ أبدا .. عيب .. عيب كبير .. الزوج حين يذكر يقال مع اسمه : الله يسلمه .. هذا هو الحد الأقصى و لا يجوز إضافة ما يوحي بأي محبة أو حب أو خلافه ، الله يسلمه و بس .. يكفي... و لا يستحسن أن يلفظ اسمه بل يقال : أبو فلان ، و يمكن فقط ذكر اسمه حين لا يكون أبا لأحد .
2- يجب أن تخلو الجمل من الدعوات السيئة من نوع : يصيبك ينيبك ، يبعث لك كذا ، يقصف عمرك ،و ما شابه .. و في الحالات الاضطرارية يتم تحوير الدعاء السيء إلى كلمة شبيهة تنقل الإحساس دون أن تنقل المعنى فتصبح : يبعث لك لحمة بخل .." بدل الحمى " ، يبعث لك الهنا " بدل العمى " يبعث لك متلك " دعاء مبطن بالكثير من المعاني يفسر حسب الحالة و الظرف "..
3- يجب أن تخلو الجمل من كلمات بذيئة مهما كان نوعها و تحت أي ظرف " أبي استثناء مغلق ، يعني يقول ما يشاء و لكن في ظروف خاصة جدا و لعدد محدود ممن لا يهتم " لغضب أو لحظوة " في أن يروه على هذا الشكل من التساهل و الانفعال ..
4- يستحسن و يفضل و يا حبذا أن لا يكون في الجملة أي مديح من نوع : أنت حلوة ، أو أنت شاطرة ،أو أنت ذكي أو أنت فهيم ... أو أي مجاملة من النوع الذي قد يؤدي إلى رفع الروح المعنوية .. " هناك استثناء للأطفال تحت سن الثامنة ". جدتي الله يرحمها كانت تقول ما معناه : ضرب العصي أهون من كلمة حلوة.
5- فإن كان هناك انتقاد يجب أن يوجه فيصاغ بصيغ فيها الكثير من التورية و يترك الفهم لصاحب العلاقة.
تعبير الوجه يكفي لينقل الصورة ..
6- الصوت لا يعلو .. لا في ضحك و لا في بكاء ، لا في فرح و لا حزن .. الانفعالات يجب أن تبقى تحت السيطرة و أي خروج عن هذا القانون يعرض صاحبه للمساءلة .
7- يراعى وضع جمل حشو مناسبة ساعة الحديث أو الإصغاء .. فإن كان المتحدث يذكر ميتا و ترحم عليه تقول له : تعيش ، فإن نسي أن يترحم ترحمت أنت .. و إن دعى المتحدث على نفسه بشر عليك أن تقول له : بعيد الشر ، فإن كان يحدثك عن تناوله لطعام عليك أن تقول له : صحتين و عافية .. و هكذا ...
8- يراعى تشميت العاطس ، و " دح " ضرب من يغص على ظهره ، و تصحيح الساعل " دبروها بمعرفتكم " و تنشية الأطفال إن عطسوا ، و طمأنة المتنهد " عمرك لك ورزقك على اللي خلقك ".و من غير المسموح و لا المقبول تجاوز هذه الامور لأنها تترك حساسية لدى أصحاب العلاقة...
أما عن القواعد و الأصول في التصرفات ..فهي كثيرة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ..
إذا دخلت إلى بيت اجتمعت فيه الأسرة عليك أن تصافح وتقبل الكبير و الصغير و " المأندأ بالسرير ".
فإن كان الشخص المقبل " بفتح الباء " ذكرا من عمر أكبر منك .. عليك أن تقبل يدك بعد المصافحة .
يعني بوسة إيد .. بس بشكل مغاير للمعهود .
فإن كان المقبل " ذكرا كان أم أنثى " كبيرا بما يكفي يجب أن تنحني لتقبيل يده .. طبعا هو لن يسمح لك وسيسحبها بسرعة فتقبل يدك التي صافحته بها ...
ثم يستمر التقبيل إلى أصغر الأحفاد و صولا إلى الرضع ، فإن كان الرضيع صغيرا جدا تقبل رأسه أو يده و يجوز الجمع بينهما ..مع إضافة ما تيسر من تسمية و ماشاء الله ..و خزي للعيون الحاسدة ..
فإن غضب عليك الله و أحسست بالعطش و تناولت كأسا للماء و شربت .. عليك أن تسمي و تحمد قبل و بعد الشرب على التوالي بصوت مرتفع .تنبيها للحاضرين ليستعدوا و يقوموا معك بالواجب ..
هنيا .. ان شاء الله صحتين و هنا .. مطرح ما يسري يمري .. ان شاء الله الميات باردين ؟.. جب لك كمان كاسة .. ثم هنيا .. هنيا .. هنيا .. هنيا .. بنغمات متكررة تكاد تصبح ملحنة ..
التخاطب له أصول .. خاصة بين الكبار ..
لم أسمع يوما عمتي تذكر اسم أبي بمفرده دون أن تسبقه كلمة : أخي ..
أخي أبو ماهر .. فإن كانت الجلسة حميمة جدا يمكن أن تقول أخي أحمد ...
أما الذكر فينادي الأخت باسم أم فلان .. و إن كلمها وضع كلمة أختي قبلها ..
بين الذكور كلمة أخي تسبق اللقب .. أخي أبو ماهر .. لازم .. شرط واجب ..
و العم والعمة تتم مناداتهم كالمعتاد .. عمة .. عمو .. فإن أردت الإشارة في حال الغياب و أردت أن تستعمل ضمير الغائب وجب أن تقول عمو أبو فلان ، و عمة أم فلان ، لا يستحب كثيرا أن تنادي باسم الشخص المجرد بعد لفظ القرابة ..
فإن استحم أحد أفراد المنزل عليه أن يعلن بصوت مرتفع أنا سيدخل ليستحم الآن .. و كأنه ذاهب لفتح الأندلس . ليقول له الجميع : نعيما سلفا.
و بعد الخروج عليه أن يمر على الجميع .. بدون استثناء ...
ليتلقى التبريكات و التهاني على شكل قبل .. و سلامات ..
و يستحسن إضافة تعليق على : كم هو الحمام رائع ، و ان شاء الله كفتك المي السخنة ؟ و ان شاء الله الحمام ساخن ؟؟ و صحيح .. الحمام نعيم الدنيا ...!!!
و شو ؟؟ شوندرة .. كلمة شوندرة لازمة .. دلالة على احمرار وجه الخارج من النعيم ، أقصد من الحمام ..
يجب أن يقولها على الأقل فرد واحد .. هي فرض كفاية.
فإن صدف أن بت ليلتك عندهم ، عليك أن تودعهم قبل الذهاب إلى النوم ..
هنا تسمح الظروف أحيانا بالتغاضي عن القبل و الاكتفاء بلفظ .. تصبحون على خير ..
لكن .. بشرط .. أن لا تقال الجملة على استعجال .. عليك أن تقولها و تقف و تنتظر لترد التمنيات العارمة التي ستنهمر عليك من كل الأفواه ، و عليك أن ترد على كل فوه " مفرد أفواه ، اشتقاق شخصي " بمفرده ، و عليك أن تكون مبتسما و تنظر في عين كل شخص على حده ..
و لكن حين تستيقظ صباحا ..و بعد غسل الوجه و تنظيف الأسنان طبعا " مو لهالدرجة العقد " و نظرا للتهاون الذي حصل قبل النوم .. عليك أن تعوض ..
هنا لا مفر لك من التقبيل ..
أمواه امواه امواه .. للجميع .. و كأنك عدت من سفر .. و لا يخلو الأمر من بعض تعليق على كم كانت الليلة مريحة أو غير مريحة أو شوب أو .. أو .. إلخ ..
الجلوس على الطعام له تقاليد .. يستغرق الجلوس على الطعام بعد الانتهاء من تحضيره فترة زمنية لا بأس بها .
لأنك لا تستطيع أن تجلس قبل من هم أولى منك بالتقدم .. رحمك الله يا تيتي ، كانت تدعنا ننتظرها وقتا مضنيا حتى تدخل المطبخ مرة أخيرة .. و كالمعتاد .. على أقللللللل من مهلها ، تفتح البراد لترى .. هل أهملنا وضع الطبخة البايتة حتى يتم تصريفها أم لا ..!!
و طبعا .. قبلها لن يجلس أحد على السفرة ، و حين تعود تعتذر عن تأخرها و تتفاجأ .. كل يوم ... إيفري سينغل داي " لغات " بأن الجميع ينتظر..
بعد وصول تيتي .. رحمها الله ، يبدأ التعازم من الأصغر حتى الأكبر وتبدأ الحيرة في أماكن الجلوس .. كل يفضل الآخر على نفسه و هكذا ... يعني راحت لها ربع ساعة إضافية ..
حين تصل إلى الطعام ، انس الباقي ، قول ساعة قول ساعتين .. لا يهمك..
سير ...و ملاحم تحكى .. و قصص ألف ليلة و ليلة .. طبعا معظمها مكرر ومعاد ..
يتم أولا الإجهاز على الأكلة الباقية من أمس ..
هنا تظهر الأثرة .. كل واحد يريد أن يضحي بنفسه بأن يضع قسما منها في صحنه ..
و خاصة النساء .. حيث ينبغي أن ينعم الرجال بالأطايب أولا .. ثم تبدأ المجاملات ..
- تاخدي لك شقفة فليفلة أختي ؟
- أخي .. شو بصلات ؟؟.. تفاح .. جرب ..
- تشرب أخي ؟؟
- ممممممممه ، يا عيني .. شو هالرزات .. يسلموا هالإيدين أختي ..
- طايل الأكل من عندك و لا أسكب لك أخي ؟
- دوقي هالمحشية أمي .. " وينك يا فادي "
- اشتهيت لك هالكباية عمو ..
فإذا شرب أحدهم كأس ماء .. ... صرتم تعرفون الباقي .. ارجعوا إلى فوق .
بعد الأكل الدسم ، لااااااااازم التنشيفة ...
و هو موسم ... تنشد فيه المدائح و تنظم المعلقات ..
طبعا حول مهارة السيدات في عمل المربيات و الأجبان و الأزتان " جمع زيتون ، شرحوا ، اجتهاد شخصي"
و شطارة الرجال في التبضع .. و تجري هنا عادة إعادة تمثيل لواقعة الشراء إن كان فيها ما يستحق الذكر ..
و غالبا هناك ما يستحق الذكر ..
و لا ينتهي الطعام .. إلا و الشاي جاهز ..
و حول كأس الشاي الخمير .. المعد بعناية و بأصول تبدأ من الماء و تنتهي بالشرب نفسه ..
تتم مناقشة المشكلات الاجتماعية و والسياسية و الاقتصادية العامة في كل المعمورة ..
ما عدا طبعا ما كان يخص العائلة أو مشاكلها .. حيث يسود التكتم و لا يعرف أحد ما يجري حوله ..
ويتم الحديث عن العمل و عن الكيمياء " لو كان أبي موجودا " و آخر مخترعات العصر ..
و تبدأ فترة تأمل غير صامتة في كم هو غريب ما يجري في هذا العالم .. و كم هو فظيع التطور الحاصل .
تتخلل فترة التأمل مقارنات تبدأ من عصر الشمعة و تنتهي إن انتهت بالمستجدات العلمية العالمية في عصر الفضاء و الاتصالات ..
الجهل لا يغتفر في عائلتنا ..
و يا ويله من يكون عديم الاهتمام بما يجري حوله ...
فهو يتعرض للسخرية من الجميع ، بينما يختار أبي موقف الغاضب اللائم المشوب بخيبة الأمل و اليأس ..
و يشير إلى الموسوعات التي تملأ المكتبة متسائلا عن سبب دفعه ثمنا لنسخ منها لا يقرأها أحد ..
و يلومني .. سرا أو علنا .. لأنني لم أقم حتى الآن بترجمتها !!!! إلى اللغة العربية ..
ثم تبدأ عملية التثاؤب .. و هي مرحلة غير طويلة غالبا ،تنحصر نشاطاتها في دعوة كل واحد الآخر إلى أن يأخذ قسطا من النوم .. و تحريضه على الراحة .. و طبعا تيتي تكون قد أخذت قسطها منه أثناء الحديث و ترفض أن تذهب إلى السرير خشية أن تفوتها هذه الصحبة الرائعة ..
و تتم عملية الوداع باختصار يقتصر على كلمة مع تلويحة باليد : عن أذنكم .. بس عشر دقايق .. و أذنك معك عمو ، مع السلامة بابا ..
بعد النوم هناك الفواكه .. و القهوة .. و ... العشاء .. في داعي للشرح ؟؟ مممممممما بظن ..
ثم .. يأتي وقت الوداع ..
و الوداع يشبه ما يحصل حين الدخول مع استثناءات في حال كان الوداع لسيدة حيث تصبح العملية معقدة لأهمية الحديث الذي يجري وراء باب الدار و الذي يستمر لوقت لا بأس به .. لأنه يتناول أخطر الموضوعات قاطبة و أكثرها حميمية و أقربها للقلب و أكثرها لطفا .. و أبعدها عن الرسميات .. يكثر فيها الضحك .. الخافت طبعا ..
و يجدها الأطفال فرصة للركض على الدرج و إزعاج المبنى بحاله ..
هذا ما توارد إلى ذهني بعد أن تذكرت نكتة أبو لطفي و أم لطفي ..
سيناريو يتكرر كلما جاء أبي .. و بشكل يومي طوال بقائه في دمشق ..
فأنا بعد أن يسافر .. أبتعد لفترة طويلة ..
ألملم فيها جهدي الذي أبذله في تتبع هذه المسائل و محاولة التطبيق ..
يؤبش قلبي ماهر .. كلما جاء أبي .. قلت له : الغايب لك و الهدية لنا ، يهنيك بسلامته أخي ..
فينظر لي نظرة ذات مغزى بعينيه الخضراوين الرائعتين و يقول لي : الهنا مشترك أختي ...
تحياتي
- أم لطفــــــــيييييي ؟؟ وينك يا ضرابة ؟؟
- هون هون .. عمأنضرب على قامتي ..
يدخل غرفة الجلوس .. يجلس على الكرسي القريب ..
أم لطفي تطوي الغسيل ..
- شو وين الفصاعين ؟
- اندفسوا ..
- شو زهرمتيهم قبل ما ينخمدوا ؟
- السم الكراتي يللي بيتسمموه كل يوم ... حواضر ..
- ابنك الشنتير رجع من جهنم الحمرا ؟
- لهلأ ما رجع هالتيس .
- صحيح .. على سيرة التيس .. كيفو أبوكي ؟؟
نكتة معروفة هي .. مع بعض التحوير لتصلح للانتداء ..
تذكرتها اليوم و أنا أقول في نفسي : صحيح الملافظ سعادة ..
و كل ما زاد عن حده .. انقلب إلى ضده ..
في عائلتي .. المسألة على العكس تماما ..
شيء يشبه ما يسمى في دمشق : " بيت فستق " مع بعض الاختلاف .
و بيت فستق ذهبوا مثلا لشدة تقيدهم بأصول الحديث و التصرف .. و المجاملة ..
كل شيء له إتيكيت .. و كل شيء له أصول ..
أما الاختلاف في عائلتي عن بيت فستق .. فهو أن الألفاظ مختارة بعناية بحيث تحقق الشروط التالية :
1- يجب أن تخلو الجمل جميعها من ألفاظ من نوع : تؤبرني ، تطلع على قبري ، تكفني ، و ما إلى ذلك من كلمات تحمل في معانيها العاطفة المتقدة ، أو الحب العارم المجلل بالكوارث.. حتى لو كان للأولاد .. أما الزوج فلا يمكن أن تلحق به هذه الألفاظ أبدا .. عيب .. عيب كبير .. الزوج حين يذكر يقال مع اسمه : الله يسلمه .. هذا هو الحد الأقصى و لا يجوز إضافة ما يوحي بأي محبة أو حب أو خلافه ، الله يسلمه و بس .. يكفي... و لا يستحسن أن يلفظ اسمه بل يقال : أبو فلان ، و يمكن فقط ذكر اسمه حين لا يكون أبا لأحد .
2- يجب أن تخلو الجمل من الدعوات السيئة من نوع : يصيبك ينيبك ، يبعث لك كذا ، يقصف عمرك ،و ما شابه .. و في الحالات الاضطرارية يتم تحوير الدعاء السيء إلى كلمة شبيهة تنقل الإحساس دون أن تنقل المعنى فتصبح : يبعث لك لحمة بخل .." بدل الحمى " ، يبعث لك الهنا " بدل العمى " يبعث لك متلك " دعاء مبطن بالكثير من المعاني يفسر حسب الحالة و الظرف "..
3- يجب أن تخلو الجمل من كلمات بذيئة مهما كان نوعها و تحت أي ظرف " أبي استثناء مغلق ، يعني يقول ما يشاء و لكن في ظروف خاصة جدا و لعدد محدود ممن لا يهتم " لغضب أو لحظوة " في أن يروه على هذا الشكل من التساهل و الانفعال ..
4- يستحسن و يفضل و يا حبذا أن لا يكون في الجملة أي مديح من نوع : أنت حلوة ، أو أنت شاطرة ،أو أنت ذكي أو أنت فهيم ... أو أي مجاملة من النوع الذي قد يؤدي إلى رفع الروح المعنوية .. " هناك استثناء للأطفال تحت سن الثامنة ". جدتي الله يرحمها كانت تقول ما معناه : ضرب العصي أهون من كلمة حلوة.
5- فإن كان هناك انتقاد يجب أن يوجه فيصاغ بصيغ فيها الكثير من التورية و يترك الفهم لصاحب العلاقة.
تعبير الوجه يكفي لينقل الصورة ..
6- الصوت لا يعلو .. لا في ضحك و لا في بكاء ، لا في فرح و لا حزن .. الانفعالات يجب أن تبقى تحت السيطرة و أي خروج عن هذا القانون يعرض صاحبه للمساءلة .
7- يراعى وضع جمل حشو مناسبة ساعة الحديث أو الإصغاء .. فإن كان المتحدث يذكر ميتا و ترحم عليه تقول له : تعيش ، فإن نسي أن يترحم ترحمت أنت .. و إن دعى المتحدث على نفسه بشر عليك أن تقول له : بعيد الشر ، فإن كان يحدثك عن تناوله لطعام عليك أن تقول له : صحتين و عافية .. و هكذا ...
8- يراعى تشميت العاطس ، و " دح " ضرب من يغص على ظهره ، و تصحيح الساعل " دبروها بمعرفتكم " و تنشية الأطفال إن عطسوا ، و طمأنة المتنهد " عمرك لك ورزقك على اللي خلقك ".و من غير المسموح و لا المقبول تجاوز هذه الامور لأنها تترك حساسية لدى أصحاب العلاقة...
أما عن القواعد و الأصول في التصرفات ..فهي كثيرة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ..
إذا دخلت إلى بيت اجتمعت فيه الأسرة عليك أن تصافح وتقبل الكبير و الصغير و " المأندأ بالسرير ".
فإن كان الشخص المقبل " بفتح الباء " ذكرا من عمر أكبر منك .. عليك أن تقبل يدك بعد المصافحة .
يعني بوسة إيد .. بس بشكل مغاير للمعهود .
فإن كان المقبل " ذكرا كان أم أنثى " كبيرا بما يكفي يجب أن تنحني لتقبيل يده .. طبعا هو لن يسمح لك وسيسحبها بسرعة فتقبل يدك التي صافحته بها ...
ثم يستمر التقبيل إلى أصغر الأحفاد و صولا إلى الرضع ، فإن كان الرضيع صغيرا جدا تقبل رأسه أو يده و يجوز الجمع بينهما ..مع إضافة ما تيسر من تسمية و ماشاء الله ..و خزي للعيون الحاسدة ..
فإن غضب عليك الله و أحسست بالعطش و تناولت كأسا للماء و شربت .. عليك أن تسمي و تحمد قبل و بعد الشرب على التوالي بصوت مرتفع .تنبيها للحاضرين ليستعدوا و يقوموا معك بالواجب ..
هنيا .. ان شاء الله صحتين و هنا .. مطرح ما يسري يمري .. ان شاء الله الميات باردين ؟.. جب لك كمان كاسة .. ثم هنيا .. هنيا .. هنيا .. هنيا .. بنغمات متكررة تكاد تصبح ملحنة ..
التخاطب له أصول .. خاصة بين الكبار ..
لم أسمع يوما عمتي تذكر اسم أبي بمفرده دون أن تسبقه كلمة : أخي ..
أخي أبو ماهر .. فإن كانت الجلسة حميمة جدا يمكن أن تقول أخي أحمد ...
أما الذكر فينادي الأخت باسم أم فلان .. و إن كلمها وضع كلمة أختي قبلها ..
بين الذكور كلمة أخي تسبق اللقب .. أخي أبو ماهر .. لازم .. شرط واجب ..
و العم والعمة تتم مناداتهم كالمعتاد .. عمة .. عمو .. فإن أردت الإشارة في حال الغياب و أردت أن تستعمل ضمير الغائب وجب أن تقول عمو أبو فلان ، و عمة أم فلان ، لا يستحب كثيرا أن تنادي باسم الشخص المجرد بعد لفظ القرابة ..
فإن استحم أحد أفراد المنزل عليه أن يعلن بصوت مرتفع أنا سيدخل ليستحم الآن .. و كأنه ذاهب لفتح الأندلس . ليقول له الجميع : نعيما سلفا.
و بعد الخروج عليه أن يمر على الجميع .. بدون استثناء ...
ليتلقى التبريكات و التهاني على شكل قبل .. و سلامات ..
و يستحسن إضافة تعليق على : كم هو الحمام رائع ، و ان شاء الله كفتك المي السخنة ؟ و ان شاء الله الحمام ساخن ؟؟ و صحيح .. الحمام نعيم الدنيا ...!!!
و شو ؟؟ شوندرة .. كلمة شوندرة لازمة .. دلالة على احمرار وجه الخارج من النعيم ، أقصد من الحمام ..
يجب أن يقولها على الأقل فرد واحد .. هي فرض كفاية.
فإن صدف أن بت ليلتك عندهم ، عليك أن تودعهم قبل الذهاب إلى النوم ..
هنا تسمح الظروف أحيانا بالتغاضي عن القبل و الاكتفاء بلفظ .. تصبحون على خير ..
لكن .. بشرط .. أن لا تقال الجملة على استعجال .. عليك أن تقولها و تقف و تنتظر لترد التمنيات العارمة التي ستنهمر عليك من كل الأفواه ، و عليك أن ترد على كل فوه " مفرد أفواه ، اشتقاق شخصي " بمفرده ، و عليك أن تكون مبتسما و تنظر في عين كل شخص على حده ..
و لكن حين تستيقظ صباحا ..و بعد غسل الوجه و تنظيف الأسنان طبعا " مو لهالدرجة العقد " و نظرا للتهاون الذي حصل قبل النوم .. عليك أن تعوض ..
هنا لا مفر لك من التقبيل ..
أمواه امواه امواه .. للجميع .. و كأنك عدت من سفر .. و لا يخلو الأمر من بعض تعليق على كم كانت الليلة مريحة أو غير مريحة أو شوب أو .. أو .. إلخ ..
الجلوس على الطعام له تقاليد .. يستغرق الجلوس على الطعام بعد الانتهاء من تحضيره فترة زمنية لا بأس بها .
لأنك لا تستطيع أن تجلس قبل من هم أولى منك بالتقدم .. رحمك الله يا تيتي ، كانت تدعنا ننتظرها وقتا مضنيا حتى تدخل المطبخ مرة أخيرة .. و كالمعتاد .. على أقللللللل من مهلها ، تفتح البراد لترى .. هل أهملنا وضع الطبخة البايتة حتى يتم تصريفها أم لا ..!!
و طبعا .. قبلها لن يجلس أحد على السفرة ، و حين تعود تعتذر عن تأخرها و تتفاجأ .. كل يوم ... إيفري سينغل داي " لغات " بأن الجميع ينتظر..
بعد وصول تيتي .. رحمها الله ، يبدأ التعازم من الأصغر حتى الأكبر وتبدأ الحيرة في أماكن الجلوس .. كل يفضل الآخر على نفسه و هكذا ... يعني راحت لها ربع ساعة إضافية ..
حين تصل إلى الطعام ، انس الباقي ، قول ساعة قول ساعتين .. لا يهمك..
سير ...و ملاحم تحكى .. و قصص ألف ليلة و ليلة .. طبعا معظمها مكرر ومعاد ..
يتم أولا الإجهاز على الأكلة الباقية من أمس ..
هنا تظهر الأثرة .. كل واحد يريد أن يضحي بنفسه بأن يضع قسما منها في صحنه ..
و خاصة النساء .. حيث ينبغي أن ينعم الرجال بالأطايب أولا .. ثم تبدأ المجاملات ..
- تاخدي لك شقفة فليفلة أختي ؟
- أخي .. شو بصلات ؟؟.. تفاح .. جرب ..
- تشرب أخي ؟؟
- ممممممممه ، يا عيني .. شو هالرزات .. يسلموا هالإيدين أختي ..
- طايل الأكل من عندك و لا أسكب لك أخي ؟
- دوقي هالمحشية أمي .. " وينك يا فادي "
- اشتهيت لك هالكباية عمو ..
فإذا شرب أحدهم كأس ماء .. ... صرتم تعرفون الباقي .. ارجعوا إلى فوق .
بعد الأكل الدسم ، لااااااااازم التنشيفة ...
و هو موسم ... تنشد فيه المدائح و تنظم المعلقات ..
طبعا حول مهارة السيدات في عمل المربيات و الأجبان و الأزتان " جمع زيتون ، شرحوا ، اجتهاد شخصي"
و شطارة الرجال في التبضع .. و تجري هنا عادة إعادة تمثيل لواقعة الشراء إن كان فيها ما يستحق الذكر ..
و غالبا هناك ما يستحق الذكر ..
و لا ينتهي الطعام .. إلا و الشاي جاهز ..
و حول كأس الشاي الخمير .. المعد بعناية و بأصول تبدأ من الماء و تنتهي بالشرب نفسه ..
تتم مناقشة المشكلات الاجتماعية و والسياسية و الاقتصادية العامة في كل المعمورة ..
ما عدا طبعا ما كان يخص العائلة أو مشاكلها .. حيث يسود التكتم و لا يعرف أحد ما يجري حوله ..
ويتم الحديث عن العمل و عن الكيمياء " لو كان أبي موجودا " و آخر مخترعات العصر ..
و تبدأ فترة تأمل غير صامتة في كم هو غريب ما يجري في هذا العالم .. و كم هو فظيع التطور الحاصل .
تتخلل فترة التأمل مقارنات تبدأ من عصر الشمعة و تنتهي إن انتهت بالمستجدات العلمية العالمية في عصر الفضاء و الاتصالات ..
الجهل لا يغتفر في عائلتنا ..
و يا ويله من يكون عديم الاهتمام بما يجري حوله ...
فهو يتعرض للسخرية من الجميع ، بينما يختار أبي موقف الغاضب اللائم المشوب بخيبة الأمل و اليأس ..
و يشير إلى الموسوعات التي تملأ المكتبة متسائلا عن سبب دفعه ثمنا لنسخ منها لا يقرأها أحد ..
و يلومني .. سرا أو علنا .. لأنني لم أقم حتى الآن بترجمتها !!!! إلى اللغة العربية ..
ثم تبدأ عملية التثاؤب .. و هي مرحلة غير طويلة غالبا ،تنحصر نشاطاتها في دعوة كل واحد الآخر إلى أن يأخذ قسطا من النوم .. و تحريضه على الراحة .. و طبعا تيتي تكون قد أخذت قسطها منه أثناء الحديث و ترفض أن تذهب إلى السرير خشية أن تفوتها هذه الصحبة الرائعة ..
و تتم عملية الوداع باختصار يقتصر على كلمة مع تلويحة باليد : عن أذنكم .. بس عشر دقايق .. و أذنك معك عمو ، مع السلامة بابا ..
بعد النوم هناك الفواكه .. و القهوة .. و ... العشاء .. في داعي للشرح ؟؟ مممممممما بظن ..
ثم .. يأتي وقت الوداع ..
و الوداع يشبه ما يحصل حين الدخول مع استثناءات في حال كان الوداع لسيدة حيث تصبح العملية معقدة لأهمية الحديث الذي يجري وراء باب الدار و الذي يستمر لوقت لا بأس به .. لأنه يتناول أخطر الموضوعات قاطبة و أكثرها حميمية و أقربها للقلب و أكثرها لطفا .. و أبعدها عن الرسميات .. يكثر فيها الضحك .. الخافت طبعا ..
و يجدها الأطفال فرصة للركض على الدرج و إزعاج المبنى بحاله ..
هذا ما توارد إلى ذهني بعد أن تذكرت نكتة أبو لطفي و أم لطفي ..
سيناريو يتكرر كلما جاء أبي .. و بشكل يومي طوال بقائه في دمشق ..
فأنا بعد أن يسافر .. أبتعد لفترة طويلة ..
ألملم فيها جهدي الذي أبذله في تتبع هذه المسائل و محاولة التطبيق ..
يؤبش قلبي ماهر .. كلما جاء أبي .. قلت له : الغايب لك و الهدية لنا ، يهنيك بسلامته أخي ..
فينظر لي نظرة ذات مغزى بعينيه الخضراوين الرائعتين و يقول لي : الهنا مشترك أختي ...
تحياتي