المهاجرون الى أوربا ..ماهو المكسب؟؟؟
المهاجرون إلى أوروبا وحساب المكسب والخسارة :
المشهد اليومي المتكرر عبر شاشات التلفزيون وعلى الصفحات الأولى للصحف الأوروبية للمهاجرين الذين يعبرون الحواجز المائية الفاصلة بين أفريقيا و أسيا و وأوروبا, بعضهم يبتلعه البحر أو يلقيه جثة هامدة, وبعضهم الآخر يشاء حظه الحسن أن يصل إلى الشاطئ ليسقط بين أيدي حراس الشواطئ والبوليس,
أو يهرب من هؤلاء ليسقط بين أيدي (مافيات السخرة المعاصرة) في المزارع والمصانع. وبالتالي التعرض لكل أنواع الاضطهاد, بل والتعذيب أو الموت على أيدي الجماعات المتطرفة من شباب أوروبا الطائش. هذا المشهد له وجوه عديدة, سلبية وإيجابية, لكن يجري استخدامها جميعا ضد المهاجرين, ولا يتم استخدام أي من وجوهها الإيجابية لصالح هؤلاء المهاجرين, حتى أصبح المهاجرون كالطاعون الذي لا يجب الهرب منه فقط, بل مطاردته والقضاء عليه بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. الوجوه الإيجابية لصالح البلاد المستقبلة لتلك الهجرة في أوروبا عديدة, وبعض وجوه تلك الهجرة سلبي بالطبع, لكن الوجوه السلبية هي التي شاهدناها ونشاهدها حتى الآن, ولم تقدم لنا أي جهة في تلك البلاد المستقبلة للهجرة الوجوه الإيجابية التي تعمل في صالحها, وتؤكد استفادتها من تلك الهجرة. لو طبقنا النظرة الأوروبية تجاه الهجرة بشكلها السلبي على دولة من دول الاتحاد الأوروبي لوجدنا أن أسبانيا نموذج صالح للتطبيق, فقد شهدنا خلال الانتخابات التي جرت في مارس الماضي في أسبانيا كيف أن اليمين استخدم تلك الهجرة سلاحا فعالا للوصول إلى أهداف نبيلة بطرق غير نبيلة, فقد استغل جهل المواطنين بإيجابيات الهجرة, واستغل سلبياتها ويستخدمها كسلاح انتخابي انتهازي, على الرغم من موافقة هذا الحزب على إصدار قانون يسمح بتنظيم الهجرة تلافيا لسلبياتها ومحاولة للقضاء على المافيات التي تستغل المهاجرين في ظل تطبيق قوانين تنظيم العمالة من الهجرة القديمة القائمة في البلاد. كان ذلك قبيل الانتخابات بالطبع, وعندما حانت الانتخابات تراجع عن موقفه واستغل وجوده في السلطة التي تمتلك وسائل الإعلام الرسمية الفعالة, كالإذاعة والتليفزيون بقناتيه الأولى والثانية ليشيع بين الجماهير العديد من سلبيات تلك الهجرة خاصة تلك التي تأتي إلى أسبانيا عبر مضيق جبل طارق, وحاول إسكات كل الأصوات التي تحاول شرح أوضاع الهجرة كما هي بسلبياتها وإيجابياتها, وبيان أهمية وجود العامل المهاجر في مجتمع بدأت الشيخوخة تغزوه بسبب انخفاض عدد المواليد. وبما أن الغاية تبرر الوسيلة لدى الكثير من السياسيين, فقد بنت حكومة الحزب الشعبي اليمينية برنامجها الانتخابي ودعاياتها على أولوية (تغيير القوانين المنظمة للعمالة المهاجرة) , مبينة وجوهها السلبية فقط. ولم تتوقف تلك الدعاية حتى بعد أن تحقق لها ما أرادت, وفاز الحزب بأغلبية مطلقة بفضل خلق مناخ عام معاد للعمالة المهاجرة وصل إلى حد خلق (عداء واضح ضد الأجانب) يمكن أن يدخل تحت شعار (العنصرية) , مما زاد من تعرضهم لأعمال عنف راح ضحيتها العديد من المهاجرين. لكن بما أن الإعلام المؤثر كالتليفزيون يخضع لسيطرة الدولة, على الرغم من الجعجعة بمبادئ الديمقراطية وحرية التعبير, كان يتم استخدام هذا الجهاز الإعلامي المؤثر في تصوير تلك الجرائم التي كانت تتم في وضح النهار على أنها عمليات (تصفية حساب بين جماعات متنافسة على عمليات غير شرعية, كالسرقة وتجارة المخدرات وغيرها من جرائم المجتمع المعاصر) . ولأن بعض تلك الجرائم راح ضحيتها (صبيان) صغار السن, فقد تم تصويرها على أنها (صراعات بين جماعات من الأحداث المتنافسين على اللعب في الحدائق العامة) , لذلك فشلت كل محاولات جماعات الضغط الجادة في فتح حوار حقيقي وجاد حول الهجرة ودورها: سلبياتها وإيجابياتها على المجتمع بشكل عام. لم يهرب من ذلك الحصار ضد الحوار الجاد عن (الهجرة) وسلبياتها وإيجابياتها سوى دراسة هامة قامت بها (الجامعة الدينية بكومياس) التابعة مباشرة للسلك الكنسي الكاثوليكي, والذي تحدث صراحة وبالأرقام عن الإيجابيات الحقيقية التي يجنيها المجتمع الأسباني من وجود الهجرة بشكل عام, سواء كانت تلك الهجرة قادمة من الدول أعضاء بالاتحاد الأوروبي, أي هجرة شبه داخلية, أو الهجرة القادمة من الدول الفقيرة, وبشكل خاص من شمال أفريقيا وأوروبا الشرقية. تؤكد الدراسة أن الركيزة التي تقوم عليها الدعاية الرسمية ضد الهجرة وهي (زيادة الأعباء المالية على الدولة المستقبلة للهجرة لرعاية المهاجرين صحيا واجتماعيا) ركيزة ليست صحيحة على الإطلاق, بل أن الحقائق التي تدعهما الأرقام تؤكد أن الواقع عكس ما تتعلل به الحكومة تماما. أكدت الدراسة أولا أن الهجرة لا تأتي من الدول الفقيرة, شمال أفريقيا وأوروبا الشرقية بشكل أساسي, بل تأتي من دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي, حيث تؤكد الأرقام أن المهاجرين من شمال أفريقيا وأوروبا الشرقية لا يزيد تعدادهم عن 46 في المائة من عدد العاملين الأجانب في أسبانيا, أي أن المهاجرين العاملين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي يحتلون 54 في المائة من مجموع الوظائف التي يشغلها المهاجرون. بهذه الأرقام تسقط الدعاية الرسمية ضد المهاجرين, وبفحص تلك الأرقام لا يمكن لأحد أن يدعي أن المهاجرين القادمين من الدول الفقيرة يحرمون بوجودهم الأيدي العاملة الوطنية من شغل بعض الوظائف, لأن الحقيقية تقول أن المهاجرين القادمين من الدول التابعة للاتحاد الأوروبي هم من يشغلون وظائف يمكن أن تغطيها الأيدي العاملة الوطنية, لأنهم يعملون في وظائف إدارية يمكن أن تقوم بها الأيدي العاملة الوطنية. بينما يشغل المهاجرون القادمون من شمال أفريقيا وأوروبا الشرقية أعمالا متدنية في الوظيفة والمقابل المادي والتي لا يقبل عليها عادة مواطنو أسبانيا, إما لأن معظم القادمين من شمال أفريقيا وأوروبا للشرقية غير مدربين لاحتلال وظائف مهمة أو لأنهم يقبلون أي عمل متدن تحت ضغط الحاجة التي أجبرتهم على ترك بلادهم بحثا عن حياة أفضل. من ناحية أخرى تؤكد الدراسة أن دخل الدولة من الضرائب على الرواتب التي يحصل عليها العاملون الأجانب يزيد أضعافا مضاعفة عما توجهه الدولة لرعاية هؤلاء الأجانب صحيا وتعليميا, فقد أكدت الأرقام التي تم جمعها من المؤسسات الرسمية التابعة للحكومة الأسبانية عن عام ,1998 أن دخل الدولة من الضرائب على الرواتب بلغ 335 مليار بيزيتة أسبانية (الدولار يساوي حاليا 180 بيزيتة), مقابل 148 مليار بيزيتة فقط هي كل ميزانية رعاية هؤلاء العاملين الأجانب وأسرهم صحيا وتعليميا (؟!). من ناحية أخرى نجد أيضا أن الأرقام التي تتضمنها الدراسة الجامعية تؤكد أن عدد الأجانب المقيمين في أسبانيا لا يزيد عن 800 ألف في مجتمع مكون من أقل قليلا من 40 مليون نسمة مما يشكل نسبة ضئيلة جدا مقابل الأعداد التي يمثلها الأجانب في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى, وهذا ينفي المزاعم التي ترى في وجود الأجانب خطرا على المجتمع, نظرا لزيادة نسبة الإنجاب بين الأجانب عن الأسبان. هذه الدراسة التي تأتي بعد أسبوع واحد من (اعتراض المجلس الأعلى للقضاء الأسباني) على مسودة تعديل القوانين المنظمة للعمالة الأجنبية في أسبانيا لأنه حسب رأي القضاة (بعض مواد القانون الجديد الذي تريد الحكومة تمريره من أغلبيتها البرلمانية تتعارض مع الدستور القائم وقوانين الحريات الأخرى) . لو اتخذنا مما يحدث في أسبانيا نموذجا لموقف أوروبا من الأجانب, خاصة أن هناك تحركات سياسية مماثلة تجري في فرنسا وألمانيا وإيطاليا, فإننا نجد أن السياسة في أوروبا لا تعتمد في تعاملها مع (الآخر) من منطلق وقائع وحقائق تحاول أن تبني جسرا من الحوار والشراكة بقدر ما ترمي إلى تحقيق مصالح حزبية ضيقة ترمي في النهاية إلى تغذية العنصرية والعداء للأجانب, مما يهدد التعايش السلمي بين الشعوب. إذا كان البعض يرى في الهجرة نقمة فهي نعمة أيضا, بل كل النتائج التي يمكن الخروج بها من قراءة الإحصائيات والأرقام تؤكد أن الهجرة حتى الآن (نعمة على المجتمعات المستقبلة لتلك الهجرة ونقمة على المهاجرين أنفسهم والمجتمعات الطاردة لهم) , لأن المجتمعات المستقبلة تستفيد من سواعد المهاجرين في وقت تفتقر فيه إلى تلك السواعد لزيادة رخائها, ولا تقدم مقابلا حقيقيا لتلك السواعد لمساعدة مجتمعاتهم على الخروج من أزمتها التي تطحنها في الوقت الراهن.
__________________
قيدالعبيد من الخنوع ...
وليس من زرد الحديد.
|