![]() |
|
|||
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | طرق عرض الموضوع |
|
||||
|
من قصة ليلى والذئب - يا جمجمتي الحسناء لو كنت دافئة فقط .. تصرخ زبيدة : كفي عن مخاطبة الجمجمة، هذه وسيلة إيضاح لدراستك وليست صديقة ثالثة في الغرفة .. ولملمي هذه الدمى .. الدمية الثانية لرجل بلا وجه .. أشيب الشعر منتفخ الجيب .. كانت جيوب أبي منتفخة دائماً، ولم يكن فيها قط حلوى لي .. في درجي الخاص أدفنها من جديد .. وفي الدمية الثالثة، دميتك، أدفن دبوساً جديداً .. أعض على شفتي لأمص من شفتي دمك .. قد أبكي إذا آلمتك .. فأستريح .. افترقنا .. لم يحدث شيء أبداً كنت خائفة، أبداً كانت الغابة موحشة والليل طويلاً، وأنا سجينة انتمي إلى قافلة الاحتجاج الدامي في البناء الداخلي الآخر ... يا فراس لا ريب في أنك لا تدري ، لا ريب في ذلك، فقد كنت أبداً كبيراً وكريماً ،وفي لحظات الغروب كنت أحب أن أراك ،لأن ظلك على الرمل طويلاً طويلاً .. أركض وأركض لأدرك الرأس فيه وتغيب الشمس ويختفي قبل أن أصل إلى نهايتها العملاقة ،أنك متعب، ولا تدري ، ولهذا أنت نائم ... آسفة لأنني أيقظتك ... تعود الحفارة إلى صدري .. لا ... لست آسفة .. لست بآسفة كان عليك أن تدري .. لقد سمعت الأصوات ذات ليلة .. خذ، هذا دبوس آخر في دميتك .. ربما أبكي إذا استطعت ن أؤلمك ، فأستريح! . . . . . . . - تصرخ الراهبة في وجهي: أبكي .. كوني طفلة طيبة تصلي وتكتب الرسائل لأمها .. أبكي فالفتيات الشريرات فقط لا يبكين ويستغفرن ... وكنت أبكي بمرارة وبلا صوت ولا دموع .. كان من الصعب أن أتعرى أمامها .. كنت أحس أنها بلا قلب، وأنني بحاجة إلى للبكاء لأنني خائفة، لا لأنني طامعة في قطعة من الحلوى كبقية الفتيات ... سأعاقبك ولن أسامحك حتى تبكين .. أديري وجهك للحائط وقفي على ساق واحدة ... وتحجرت !.. كسرة خبز جافة للعشاء وكأس ماء .. لم آكل قطعة الخبز .. لكنني وأنا أشرب الماء تذكرت حلماً فظيعاً رأيته ولا أدري كيف أطبقت بأسناني على الكأس وعرفت طعم الزجاج المسحوق بالأسنان، الممزوج بدم مالح وحار .. ابك.. قولي أي شيء .. ظللت صامتة ... كنت أعرف أن ذلك سو يحدث .. كنت أعرف أن لا مفر من أن يحدث ظللت جامدة .. تمنيت شيئاً واحداً: أن أروي لك ذلك الحلم الذي يلازمني منذ طفولتي .. منذ عرفت طعم الزجاج المسحوق بالدم .. . . . . . . . - أنا طفلة أركض باكية في غابة مخيفة الأصوات .. جائعة .. جائعة لأنني خائفة ... لأنني هربت من كوخ جدتي التي تتمدد دائماً في فراش لا تنهض منه ولا يبدو منها سوى رأسها عائماً فوق الدانتيل والتنتناه ويدها التي تمسك (بز) سيجارة من العاج المنقوش وتدخن، أو تمدها للرجال الداخلين والخارجين باستمرار فينحنون لتقبلها .. فقد حدث أن أحسست بالجوع لأنني أحسست بالخوف .. ولما دببت على فراشها بحثاً عن صدرها لأرضع بنفسي بعد أن شاهدت إحدى الخادمات ترضع طفلها ،دفعتني بقوة لأنها مشغولة ولا وقت لديها .. هجمت عليها بأنيابي الصغيرة ومزقت ثوبها لأنني جائعة ، لأنني خائفة، لأنني سأموت رعباً إذا لم أرضع .. ولما طردتني من الغرفة هربت إلى الغابة بحثاً عن الذئب لأرضع .. كنت أعرف أنه هناك، ولم أكن خائفة منه كبقية الأطفال .. كنت أعرف أنه يحبهم بطريقته الخاصة، وكنت أعرف أنه ليس شريراً، وأنه ربما سيروي لي قصته وينتهي الحلم دائماً .. وأنا في الغابة أبحث بلهفة عن الذئب ... تمنيت أن أقول أنني لست آسفة على شيء ولست نادمة وأنني أفيض امتناناً ومحبة .. وإنني إذا رويت قصة ليلى والذئب لأولادي فسأخبرهم بأنه كان شاباً رقيقاً شفاف العينين، وفي احتضانه الشرس لليلى تخدير يشبه الحنان ،يشبع اغتصاب موت عنيف كاليقظة وكالفرح .. وأنه لم يعذب ليلى، ولكنه أراد أن يقبلها لكن أسنانه ركبت بطريقة جعلت من قبلته عضة مميتة .. وأنه حاول في البداية أن ينسيها خوفها بعناقه الدافئ المنعش فلما ابتسمت بنشوة طفل فرغ للتو من امتصاص ثدي أمه، وتمنى أن يمنحها كل ما يملك ... لما سرى سمه في جسدها لم يستطع أن يصدق .. كان يظن أنه يمنحها عسلاً ورحيقاً ... من شوهه هكذا دون أن يدري؟ فصار حينما يظن أنه يبتسم ، يستحيل مرعباً مخيفاً كأصوات الغابة .. كأنه صورة حسيّة للأصوات البائسة ... وحينما قتل الخوف ليلى لم يدرك أحد أن ليلى كانت هي الذئب لأنها أتعسته بحبه لها ، وجعلته يدرك كم هو عاجز وضعيف ووحيد، ومن يومها انطلق الذئب في الغابة بحثاً عن يد مجهولة لها أظافر معقوفة ... . . . . . - توقفت عند أول بائع عصير فقد كان فمي مراً كما لم يكن أبداً .. كان كل ما أعرفه هو أنني رضعت في الغابة نباتاً مر السموم ولا أذكر كيف ومتى ... كنت أتأمل وجه بائع العصير وأحاول أن أذكر أين ومتى رأيته .. كان مألوفاً لدّي إلى حدٍ لا يصدّق محبباً .. مرة قلت لي: لا أطمئن إليك يا ليلى .. تتصرفين كالأطفال .. ردود فعلك كالأطفال .. تحبين بسرعة وتنسين بسرعة، ولا تعرفين في بعض اللحظات معنى ما تحسين به .. وظللت أتأمل وجه بائع العصير وشاربيه .. أين؟ .. أين؟.. ثم تذكرت أنه يشبه وجه قطي مدجج .. لو ألصق وجهه على جسد رجل كانت الحصيلة هكذا .. لذا تناولت كأس العصير منه وقلت: شكراً يا مدجج .. ضحك بدهشة القطط واهتز شارباه .. وهنا كنت أتأكد من أنه مدجج نفسه وأردت أن أسأله إن كان سيخلع هذا الجسد المضحك ويعود إلى الحديقة مساء وقت العشاء، وإذا كان يريد مني اليوم أن أسرق له فخذ دجاج من (الكافتيريا) أم أن لديه فئراناً كافية .. لكن رجلاً مرّ بنا في تلك اللحظة، وقد حمل بين يديه بعناية لفافة صغيرة .. تمتم بائع العصير الذي لم يعد يشبه مدجج: إنا لله وإنا إليه راجعون ... جفّ حليب زوجته من التعب والفقر ومات طفلهما جوعاً! .. وهنا فقط لاحظت أن ثيابه رثة وقذرة، وأنه يحمل جثة طفل ملفوف بشرشف ممزق ... وفي رأسه المنكسّ انكسار لا حدّ له .. ذلّ غريب في خطواته المتثاقلة، ذلّ لإنسان مقسور على أداء دور لا يدري كيف ولماذا زج به ... يتبع...
__________________
|
|
|||
|
شكرا لك على عرض مقاطع من هذا الكتاب الرئاع للرائعة غادة السمان
و اشارك معك عبر مقطع من قصة ( ليلى و الذئب ) (خائفة يا فراس ، أين يدك؟ ) .. خائفة ، رائحة باردة ، الزرقة تملأ عيني بأبخرتها .. تتدفق من أشباح شجر الصنوبر خلف النافذة.. ربما كانت تتدفق من حديقة الجامعة الغابة، ربما كانت أنفاس المخلوقات السجينة في البناء الرابض في العتمة، المقابل لغرفتي في التل.. خائفة ( يافراس ، أين يدك ؟.. ربما لم تحمني من الخوف، ربما كانت تشاركني خوفي، لكنني أحببتها). ( الليلة ، بعد أن ينمن جميعاً سأظل وحيدة أنصت دون أن أجرؤ على غرس سيخ في أذني ليتوقف كل شيء ، ما دام همسك منذ الليلة لم يعد لي.. ربما يتوقف حينئذ كل شيء، آخر إلا تلك الشكوى المريرة الدامية.. ربما لم يسكن كل شيء إلا سيل الليالي الحزينة الباردة والتي عادت تتدفّق خائفة.. ( يا فراس.. أين يدك، فالليل بارد وحزين ؟..) ( يا فراس كيف تستطيع أن تنام الليلة.. الليلة وقد عدت ذئباً وحيداً، وخلفتني ليلى بلا جزار).. خمسة عشر عاماً وأنا وحيدة ، أتسول يداً كبيرة دافئة كسقف دار. خمسة عشر عاماً من جحيم إلى جحيم، وانا دوماً النعجة السوداء الشاردة.. خمسة عشر عاماً وليلى في الغابة بحثاً عن الذئب كي يؤنس وحدتها.. خمسة عشر عاماً وأنا أينما حللت الشريرة الشرسة. تمنيت أن أقول أنني لست آسفة على شيء ولست نادمة وانني أفيض امتناناً ومحبة.. وانني اذا رويت قصة ليلى والذئب لأولادي فسأخبرهم بأنه كان شاباً رقيقاً شفاف العينين، في احتضانه الشرس لليلى تخدير يشبه الحنان، يشبه اغتصاب موت عنيف كاليقظة وكالفرح.. وانه لم يعذب ليلى، وانه أراد أن يقبّلها، لكن أسنانه ركبت بطريقة جعلت من قبلته عضة مميتة.. وأنه حاول في البداية أن ينسيها خوفها بعناقه الدافئ المنعش، فلما ابتسمت بنشوة طفل فرغ للتو من امتصاص ثدي أمه، تمنى أن يمنحها كل ما يملك.. لماذا لم يغادروا المكان وكل شيء في أوجه؟.. لماذا نشوه الأشياء باصرارنا على استهلاكها حتى النهاية؟.. (ربما انتصرنا على البشاعة ولو لمرة يا فراس.. وليمتنا ما تزال في أولها.. نكاتنا لم نقلها بعد.. أسماكنا ما زالت حارة ومكسوة باللحم، لم نعر عظامها بعد، ولن تفوح منها قط رائحة زنخة.. وزهورنا لم نقطفها، وموسيقانا لم نرقص على ألحانها، ولم نبدأ استمتاعنا بها.. ربما لم تكن جريمة أن نفترق ، ربما كانت الجريمة هي أن لا نجرؤ على ارتكابها في الوقت المناسب.. الآن ، سيظل اسمك أبداً يأكلني حباً وشوقاً وحنيناً وجوعاً كلما ذكرته.. وسأظل أحلم بالساعات التي لن تصدأ لأنها لن تكون...
__________________
|
|
|||
|
ما أروع ما اخترت
(غادتنا ) كلماتها تعيدك الى حارات شام ترتجف في ايام الخريف واين المحب....... تبحث عنه في اوراق الياسمين وحول الاعناق العشقة لدفء الصباح غادة ارجوحة الفرح في زمن يصيح من الحزن غادة رواية شامية لا تنتهي إلا جرأة وغضب وانبعاث لحياة كريمة بوركت لتذكيرنا بصوت يخرج من حناجرنا |
![]() |
| عدد الأعضاء الحاليين الذين يشاهدون محتوى هذا الموضوع : 1 ( 0 عضو و 1 ضيوف ) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي | JUDY | كواليس المجتمع | 88 | 16-12-2008 13:48 |
| حلب ... المدينة ..و الناس .. منذ مائتي عام | Alan | مراســلو شـــبابلك في العـالم ... | 3 | 21-02-2007 11:09 |
| ليل الغربة - غادة السمان | سحب | كتابي | 4 | 08-08-2003 02:14 |
|