![]() |
|
|||
|
||||
|
مفاجأة.. في السيارة.. تبدو الآن قصة نظرية الانفجار العظيم والتقلبات التي مرت بها وانتصارها في النهاية واضحة.. ولكن العلم يحمل الكثير من المفاجآت والإثارة.. لم تكن جميع أفكار صديقنا غامو بارعة.. كغيره من العلماء، فقد وقع غامو ببعض الأخطاء. وفقاً للحسابات الأولية لغامو ومجموعته فإن درجة حرارة الفراغ الكوني تبلغ 5 درجات فوق الصفر المطلق (268 درجة مئوية تحت الصفر). ولكن كما ذكرت فلم يشعر غامو بالارتياح لهذه النتيجة نظراً لصغر هذه الدرجة بحيث يصعب قياسها والتأكد منها. قام غامو فيما بعد بإعادة حساباته في محاولة للوصول إلى درجة حرارة أعلى من تلك الدرجة، وبالفعل فقد توصل إلى نتيجة جديدة تبلغ وفقها درجة حرارة الفراغ الكوني 50 درجة كلفن! كان لهذا الخطأ الذي وقع فيه غامو – بعد أن كانت نتيجة حساباته الأولية أكثر دقة وأقرب إلى درجة الحرارة الصحيحة – تأثيراً في مسار نظرية الانفجار العظيم.. على الأقل فإن هذا الخطأ قد اضطر نظرية الانفجار العظيم للانتظار فترة طويلة قبل أن تجد أقوى أدلتها (اكتشاف بنزياس وويلسون عام 1965). في الحقيقة فإن الدليل كان موجوداً منذ عام 1941، أي حتى قبل أن يضع غامو نظريته ويجري حساباته! حتى أن هويل نفسه كان على علم بهذا الدليل ولكن عداءه للنظرية كان قوياً! في عام 1956 تقابل الأعداء غامو وهويل في لقاء كان من الممكن أن يغير مسار علم الفلك! المكان: سيارة غامو الكاديلاك. أخبر غامو هويل بأنه مقتنع بأن الانفجار العظيم قد خلف وراءه إشعاعاً تبلغ درجة حرارته 50 كلفن. في ذلك الوقت كان هويل على دراية بنتائج بحث قديم ومغمور قام به Andrew McKellar عام 1941. أظهر هذا البحث أن درجة حرارة الفضاء لا يمكن أن تتجاوز 3 درجات كلفن (وهو رقم أدق من حسابات غامو الأولية)! قام McKellar بحساب درجة حرارة الفراغ الكوني اعتماداً على تركيز نوع معين من المركبات الكيميائية - الحاوية على الكربون والنيتروجين - في الفضاء. طبعاً في ذلك الوقت لم يخرج الإنسان بعد إلى الفضاء، لكن استطاع McKellar حساب تركيز هذا النوع من المركبات عن طريق طيفها. المهم في الموضوع أنه استطاع الربط بين تركيز هذه الجزيئات في الفضاء وبين درجة حرارة الفضاء، حيث أن تركيز هذه الجزيئات يختلف مع اختلاف درجة الحرارة لأن درجة الحرارة تؤثر في التفاعلات الكيميائية لهذه المركبات وبالتالي تؤثر في تركيزها. وفقاً لكمية هذه المركبات في الفضاء فقد وجد McKellar أن درجة حرارة الفضاء تبلغ 2.3 كلفن تقريباً! وهذه نتيجة مذهلة حقاً وقريبة من القيمة الصحيحة والبالغة 2.7. لم يكن غامو على علم بهذه النتيجة حين أجرى حساباته، إلى أن أخبره هويل بها حين تقابلا عام 1956. ولكن غامو كان في ذلك الحين يبحث عن درجة حرارة عالية ويمكن قياسها، فقد غير حساباته التي أظهرت درجة حرارة 5 كلفن في البداية ثم أصبحت درجة حرارة الفراغ وفقاً لحساباته الجديدة 50 درجة. أما هويل فقد كان يبحث عن إثبات أن درجة حرارة الفراغ هي صفر، إذ وفقاً لنظريته لا يوجد انفجار عظيم وبالتالي لا وجود لذلك الإشعاع وبالتالي فدرجة حرارة الفضاء هي صفر! كلّ منهما لم يعجب بنتيجة McKellar - لأسباب مختلفة - لذلك لم يلقيا لها بالاً. لو لم يخطئ غامو ومجموعته في حساباتهم التي أدت إلى درجة حرارة 50 كلفن، ولو لم يكن هويل متشدداً في عدائه لنظرية الانفجار العظيم، لربما غيّر ذلك اللقاء بينهما تاريخ نظرية الانفجار العظيم.. لقد اكتشف McKellar الإشعاع الكوني قبل أن يتنبأ به غامو بسبع سنوات! ولكن يبدو أنه لم يدرك مدى أهمية اكتشافه في ذلك الوقت.. غريبة هي الأقدار..
__________________
He was listening to the music of her voice more than the meaning of her words; one of those big tears, which are the sombre pearls of the soul, slowly gathered in his eye. He murmured: The proof that God is good, is that she is here Les Misérables
التعديل الأخير كان بواسطة : سنفور مفكر بتاريخ 30-10-2008 الساعة 19:18. |
|
||||
|
صافرة النهاية.. لقد حسم اكتشاف أشعة المايكروويف التي أصدرها الانفجار العظيم المعركة لصالح غامو، مما اضطر هويل للاعتراف بهزيمته في مقالة نشرت في مجلة "Nature" عام 1965 وقام بالتالي بالتخلي عن نظرية الكون الثابت، موضحاً أن ما دفعه إلى ذلك هو اكتشاف بنزياس وويلسون لذلك الإشعاع إضافة إلى عجز نظريته عن تفسير نسبة الهيليوم في الكون. ولكن ما أزعج هويل حقاً لم يكن اكتشاف أشعة المايكروويف بحد ذاته بل قدرة نظرية الانفجار العظيم على تقديم تنبؤات (تم إثبات صحتها فيما بعد) فيما عجزت نظريته عن تقديم مثل هذه التنبؤات. ما أحزن غامو في هذا الانتصار هو أن المجتمع العلمي لم ينصفه، إذ حظي بنزياس وويلسون بإشادة واهتمام العلماء لاكتشافهما والذي توج بجائزة نوبل، في حين لم يحظ صديقنا غامو بشيء من التقدير. ورغم ذلك لم يفصح غامو عن استيائه لشدة أدبه. أخيراً.. أطلق الحكم صافرة النهاية..
__________________
He was listening to the music of her voice more than the meaning of her words; one of those big tears, which are the sombre pearls of the soul, slowly gathered in his eye. He murmured: The proof that God is good, is that she is here Les Misérables
التعديل الأخير كان بواسطة : سنفور مفكر بتاريخ 02-11-2008 الساعة 17:18. |
|
||||
|
ملخص.. أصبحت لدينا الآن صورة عامة عن نشوء المادة في الكون بدءاً من الانفجار العظيم. أما لحظة الانفجار العظيم ذاتها فهي لا تزال لغزاً بعيداً عن متناول العلماء. في البداية، وبعد حدوث الانفجار العظيم شكلت الجسيمات تحت-الذرية ما يشبه الغمامة. نتيجة حركة هذه الحسيمات بسرعة عالية وتصادمها ببعضها فقد بدأت بتشكيل نوى الذرات، والتي شكلت فيما بعد ذرات كاملة (نواة محاطة بالكترونات). تشكلت ذرات الهيدروجين في البداية حيث أن الهيدروجين هو أبسط العناصر (تحتوي نواة الهيدروجين على بروتون واحد وهي محاطة بالكترون واحد). بفعل الجاذبية بدأت ذرات الهيدروجين بتشكيل النجوم، مما أدى إلى ازدياد درجات الحرارة إلى حد بدأت معه ذرات الهيدروجين بالاندماج ببعضها مشكلة ذرات عنصر جديد وهو الهيليوم. يصدر هذا التفاعل كميات كبيرة من الطاقة والتي بدورها تزيد درجة حرارة النجم. في النجوم الكبيرة يمكن أن تبلغ هذه الطاقة حداً يسمح لذرات الهيليوم بالاندماج ببعضها لتشكيل عناصر أثقل، والتي تندمج بدورها لتشكيل عناصر أثقل وهكذاً وصولاً إلى الحديد. كما نذكر فإن هذه النجوم الكبيرة تشكّل في نهاية دورة حياتها ما يسمى بالسوبرنوفا. تترافق ظاهرة السوبرنوفا بكميات هائلة من الطاقة تسمح باندماج ذرات الحديد ببعضها لتشكيل عناصر أثقل.. كما أن انفجار السوبرنوفا يؤدي إلى انتشار العناصر الكيميائية التي طبخت في هذا النجم عبر الفضاء. كما رأينا فقد قدّم كلّ من غامو وهويل جزءاً من هذه الصورة، حيث أن فكرة تشكل عنصري الهيدروجين والهيليوم في الانفجار العظيم هي من أفكار غامو، والذي تنبأ أيضاً بنسبة هذين العنصرين وقد أثبتت القياسات التجريبية صحة حساباته. أما فكرة تشكل العناصر الأثقل من الهيليوم في نوى النجوم فجاء بها هويل. لقد عمل كل من هذين العالمين باتجاه مختلف محاولاً إثبات نظريته ودحض نظرية الآخر إلا أن النتيجة كانت مدهشة: لقد قدم كل منها جزءاً من الحقيقة العلمية عن نشوء العناصر الكيميائية.. صحيح أن الفوز كان في النهاية من نصيب نظرية الانفجار العظيم، إلا أن أبحاث هويل قد أنقذت غامو ونظريته. فقد عانى غامو من مشكلة تشكيل العناصر التي تبلغ كتلها 5 و8 حيث لم يستطع تفسير وجودهما عن طريق نظرية الانفجار العظيم.. إلى أن جاء هويل ليقدم خدمة هائلة لغامو عبر فكرته بتشكل هذه العناصر عن طريق الاندماج النووي في النجوم منقذاً بذلك نظرية الانفجار العظيم التي كان يحاربها بشراسة! تدعم نظرية الانفجار العظيم ثلاثة أدلة رئيسية:
__________________
He was listening to the music of her voice more than the meaning of her words; one of those big tears, which are the sombre pearls of the soul, slowly gathered in his eye. He murmured: The proof that God is good, is that she is here Les Misérables
|
|
||||
|
رائع أخي سنفور . . واضح ان كل الطرق وان تغايرت ظاهريا تودي الى حقيقة كلية ما.
لكن من الغريب حقا ان لا يتم انصاف العالم غامو!! خصوصا ان ابحاثه ونظريته وما تنبأت به تم اثباته لاحقا وبدقة كبيرة كما بينت انت بالموضوع. سؤال مرتبط: الكون في حالة تمدد حاليا، لكن أعتقد مرة انني سمعت من مصدر ما (نسيان بالضبط) لكني اتصور انه مصدر علمي، عن توقعات علمية تتحدث عن انكماش الكون، ان كان هالشي حقيقي حبذا لو تعرضه أيضا بإسلوبك السلس. |
|
||||
|
سلامات سياب
ربما لم تنصف الأوساط العلمية غامو نظراً لقدم أبحاثه.. أو ربما بسبب تراجعه عن نتائجه التي نشرها عام 1948 والتي كانت أقرب إلى الصحة. فكما ذكرت من قبل لم يبد العلماء اهتماماً بأعماله لأن درجة الحرارة التي جاءت بها حساباته كانت صغيرة لدرجة لم يكن بمقدورهم قياسها، مما أفقد عمله أي أهمية في ذلك الوقت.. وفيما بعد قام بتعديل حساباته لتعطي درجة حرارة بعيدة تماماً عن الدرجة التي تم اكتشافها.. وحين تم بالفعل اكتشاف الإشعاع المتبقي من الانفجار العظيم كان غامو يعمل في حقل البيولوجيا وبالتحديد في ثورة الـ DNA. لم يُعرف غامو بأبحاثه في مجال نظرية الانفجار العظيم بمقدار ما عرف بأسلوبه في تبسيط العلم.. حيث قام بنشر عدد من المؤلفات العلمية التي وجهها للعامة، مما ساهم في نشر المعرفة العلمية بشكل كبير أدى إلى نيله جائزة من اليونيسكو عام 1956 (نفس العام الذي انفصل فيه عن زوجته الأولى). من أشهر هذه المؤلفات سلسلة Mr Tompkins. أما بالنسبة لموضوع انكماش الكون بعد تمدده فهو بالفعل فكرة مطروحة في الأوساط العلمية وتحتاج شيئاً من التفصيل.. سأعود إليها قريباً حين يتسنى لي الوقت. شكراً لطرحك هذه الفكرة فهي مرتبطة تماماً بموضوعنا. تحياتي
__________________
He was listening to the music of her voice more than the meaning of her words; one of those big tears, which are the sombre pearls of the soul, slowly gathered in his eye. He murmured: The proof that God is good, is that she is here Les Misérables
|
|
||||
|
مصيرنا.. وأوميغا.. تتعلق الأفكار العلمية الكبيرة عادة باسم شخص واحد، وينسى الكثيرون أنه قد يوجد علماء قدموا للنظرية أكثر مما قدمه مؤسس النظرية ذاته! تعتمد نظرية أينشتاين في النسبية على معادلات رياضية شديدة التعقيد، كما أن الكثير من نتائج هذه النظرية لم يكن واضحاً في بداية ظهور النظرية، إلى أن جاء العالم الروسي أليكساندر فريدمان والذي قام بإيجاد حل عام لمعادلات أينشتاين بحيث أصبح الحل الذي أوجده أينشتاين نفسه مجرد حالة خاصة من ذلك الحل العام. يعتمد الحل الذي أوجده فريدمان على ثلاثة أرقام فقط:
لقد أفنى الكثير من العلماء حياتهم في سبيل قياس قيم هذه الثوابت. والسبب بسيط: إن قيم هذه الثوابت الثلاثة تحدد مستقبل الكون! مثلاً.. قيمة الثابت أوميغا تحدد إمكانية استمرار الكون بالتمدد أو احتمال انكماشه. فكلما ازدادت كثافة الكون ازدادت قوة الجاذبية بين محتوياته، مما يؤدي إلى إبطاء التمدد الناتج عن الانفجار العظيم. وإذا كانت الكثافة عالية بما فيه الكفاية فإن الجاذبية قد تستطيع إيقاف تمدد الكون لا بل قد تؤدي إلى انكماشه تحت تأثير الجاذبية! إن قيمة أوميغا هي قيمة نسبية وتحسب كقيمة كثافة المادة في الكون مقسومة على الكثافة الحرجة (الكثافة الحرجة ذات قيمة شديدة الصغر بحيث تعادل 10 ذرات هيدروجين في كل متر مكعب!). هذه الكثافة الحرجة هي كمية المادة اللازمة لموازنة تأثير تمدد الكون (أي لإيقاف التمدد فقط). إذا كانت قيمة أوميغا أقل من واحد فهذا يعني أن كثافة الكون أقل من الكثافة اللازمة لإيقاف تمدد الكون (أقل من الكثافة الحرجة)، وبالتالي لا توجد كمية كافية من المادة للتغلب على تأثير التمدد (الناتج عن الانفجار العظيم)، مما يعني ان الكون سيستمر بالتمدد للأبد لعدم وجود قوة جاذبية كافية لمعاكسة تأثير التمدد. في هذه الحالة سيصل الكون إلى حالة من التجمد المطلق Big Freeze وذلك لأنه كلما تمدد الغاز انخفضت درجة حرارته، وبالتالي إذا استمر تمدد الكون ستستمر درجة حرارته بالانخفاض. ماذا لو كانت قيمة أوميغا أكبر من 1؟ في هذه الحالة فإن الكون يحتوي على كمية كافية من المادة بحيث تكون قوة الجاذبية قادرة على التغلب على تمدد الكون، مما يعني أن الكون سيبدأ بالانكماش حين تصبح قوة الجاذبية أعلى من القوة الدافعة لتمدد الكون (قوة الانفجار العظيم). ستؤدي الجاذبية في هذه الحالة إلى اقتراب المجرات من بعضها، وكما أن التمدد يؤدي إلى انخفاض درجة الحرارة فإن الانكماش يؤدي إلى ازياد درجة الحرارة. وبالتالي فحين ينكمش الكون سترتفع درجة حرارته بشكل كبير جدا في مسار معاكس تماماً لمسار الانفجار العظيم وصولاً إلى ما يسميه العلماء Big Crunch. طبعا قد يقول البعض: وما هي قيمة أوميغا الحقيقية؟ ألا يستطيع العلماء ببساطة قياس كثافة الكون وبالتالي معرفة مصير الكون؟ الجواب أن ما نراه من المادة حولنا لا يشكل سوى نسبة ضئيلة جداً من المادة في الكون، والسبب هو وجود المادة المظلمة dark matter والتي لا نعرف الكثير عنها وعن كميتها وكثافتها! ويبقى السؤال مفتوحاً..
__________________
He was listening to the music of her voice more than the meaning of her words; one of those big tears, which are the sombre pearls of the soul, slowly gathered in his eye. He murmured: The proof that God is good, is that she is here Les Misérables
|
![]() |
| عدد الأعضاء الحاليين الذين يشاهدون محتوى هذا الموضوع : 1 ( 0 عضو و 1 ضيوف ) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق عرض الموضوع | |
|
|
|