شاعر الأغنية الفصحى بلا منافس نزار قباني، في الستينيات من القرن العشرين بدأ الملحنون والمطربون تعاونهم مع شعر نزار قباني وشخصه،
وهذا التعاون كان نقطة التحول الكبرى في الأغنية العربية المعاصرة، فالأغنية كانت عامية طقطوقة أو فصحى لشعراء معروفين محددين مثل أحمد شوقي والأخطل الصغير وأحمد رامي وصالح جودت وغيرهم، وبعض هؤلاء الشعراء جاروا المطربين وكتبوا الأزجال والعامية لإيمانهم أن الزجل والعامية أكثر وصولاً إلى الجمهور العربي، وأن القصيدة فيها الكثير من الصعوبة والإرهاق للمستمع، وهي أقل سيرورة في عالم الغناء.
نزار قباني قلب الموازين
شعر نزار قباني كان كما أراده نزار رغيف خبز ساخناً للمستمعين على العموم، فاختار لغته الخاصة، ومفرداته الملونة الخاصة، وصوره الغنائية التي لا تضاهى، فقد قدّم نزار قباني في أشعاره سيناريوهات قصصية متكاملة، وقدّم موضوعات معقدة غاية التعقيد بألفاظ وصور قريبة من الناس كل الناس، بقي نزار يكرّس الشعر الغنائي المصور عقدين من الزمن حتى استطاع أن يهيمن على الساحة الغنائية. فنزار هو الوحيد في شعرنا العربي المعاصر الذي قدّم شعراً عذباً غنائياً لا تستطيع العامية مهما كانت قريبة من النفس أن تنافسه.
نزار وأم كلثوم
حين أرادت أم كلثوم أن تقدم أغنية قومية جميلة يتجاوب معها الناس، اختارت شعر نزار قباني المعبر، فبعد أن غنت (مصر تتحدث عن نفسها) وغيرها من الأغاني ذات السمة الوطنية جاءت قصيدة نزار (أصبح عندي الآن بندقية) لتهز مشاعر أم كلثوم في رحلتها للبحث عن الكلمة القومية، فقدمت أبدع قصائدها التي لا تزال سائرة على الألسنة.. إلى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية فغناها الإنسان العربي في كل مكان، ومن تابع مسيرة أم كلثوم يعرف مقدار عنايتها بالكلمة واللحن، ويدرك أهمية شعر نزار قباني الذي اجتاح كيان أم كلثوم وصوتها.
نزار وعبد الوهاب
اقتحم محمد عبد الوهاب الموسيقار الأكبر في قرننا العشرين عالم القصيدة مبكراً في قصائد شوقي الذي تبناه فنياً، وغنى لشعراء عديدين، ولكن الاقتحام الحقيقي لعالم الشعر والأغنية كان من خلال شعر نزار قباني السهل الممتنع، فقدم "أيظن" ولاموه على غنائه للفساتين التي أهملها الحبيب، ولكن عبد الوهاب بقي على تحديه، ولا تزال أيظن قصيدة الغناء العربي المعاصر، ومن ثم قدم "ماذا أقول له؟" ولو أمعنا النظر نجد أن أغلب ما غناه عبد الوهاب من شعر ضاع في أعماق الأسطوانات إلا ما كان من شعر نزار المميز والمناسب للحياة في حبكة قصصية عالية المستوى.
نزار ونجاة
تداخل كبير بين عبد الوهاب ونجاة، فكل ما غنته نجاة لنزار كان لعبد الوهاب في الألحان، وغناه عبد الوهاب نفسه، فجادت نجاة بصوتها العذب حين غنت "أيظن" و"ماذا أقول له؟" وفي فيلمها الجميل «"وجفت الدموع" غنت رائعته "إلى رجل" وأطلقت عليها اسم "ارجع إليَّ" وختمت حياة عبد الوهاب وعلاقتها بألحانها النزارية بقصيدة "اسألك الرحيلا" التي كانت قطعة من روح نزار وعبد الوهاب ونجاة نفسها.
نزار وعبد الحليم
العلاقة التي ربطت نزاراً وعبد الحليم أكبر من كل العلاقات، خاصة أن مزاج عبد الحليم الصعب اختار من نزار قصائد صعبة، ونزار نفسه أشار في أكثر من مكان إلى صعوبة هذه القصائد، وعدم إمكانية تقديمها في قصائد غنائية، لكن شعر نزار وصوت عبد الحليم قدما أروع القصائد الغنائية في العصر الحديث "رسالة من تحت الماء" و"قارئة الفنجان" والقصيدتان كانتا من ألحان المبدع محمد الموجي الذي قدم أفضل موسيقاه التصويرية واللحنية بما يناسب القصيدتين.
نزار وفايزة أحمد
من يقرأ شعر نزار قباني يلمس الصعوبة في تناول بعض الموضوعات التي تسرد حالة إنسانية معقدة، ومن هذه القصائد قصيدة "رسالة من سيدة حاقدة" والتي تستحق أن تكون فيلماً متكاملاً، ومع ذلك أقدمت فايزة أحمد على غناء هذه القصيدة بعنوان "رسالة من امرأة"، وقدمتها بألحان محمد سلطان الذي حاول عبثاً أن يتابع طريقة عبد الوهاب، ولو أن هذه القصيدة تولاها عبد الوهاب لكان لها شأن آخر.
نزار ونجوم اليوم
نزار قباني هو الشاعر الوحيد الذي انتقل من جيل إلى جيل، وسينتقل إلى أجيال أخرى قادمة وذلك لغنى دواوينه وجمال صوره وعذوبة كلمته، فلم يتوقف الاعتناء بأشعاره مع رحيل عمالقة الغناء، بل انتقلت العناية إلى نجوم غناء اليوم، بل وبصورة أدق صارت أشعار نزار من عوامل نجاح المطرب، ومن مقاييس اقتداره، فتناوب المطربون الكبار اليوم على الغناء من أشعاره.
فكاظم الساهر هو الأكثر غناء لنزار، إذ لا يخلو إصدار له من قصيدة أو أكثر لنزار، واستطاع كاظم بجملته اللحنية الرشيقة والمعاصرة أن يقدم صورة أخرى من شعر نزار في عشرات القصائد التي غناها، ولا ننسى المطرب الراقي خالد الشيخ الذي قدم أعذب قصائد نزار، وماجدة الرومي تعملقت في تقديم قصائد نزار من ست الدنيا إلى كلمات وغيرها.
وقد قدمت المطربة السورية أصالة له "اغضب" و"هذي دمشق" وغيرها بلحن آسر وصوت عذب، وكذلك لطيفة وهاني شاكر وعاصي الحلاني وغيرهم ممن لم نسمع بأسمائهم أو لا تحضرنا أسماؤهم.
دور نزار
لسنا هنا في وارد تعداد قصائد نزار التي غنيت، وإنما هي إشارات أخذت السمة التاريخية لسبب بسيط، وهو تحديد دور نزار في القصيدة الغنائية، إذ لم يولد من خلال الأصوات المعاصرة الجيدة التي نحترمها، وإنما بدأ قبل ذلك بكثير مع سيدة الغناء العربي والموسيقار محمد عبد الوهاب.
وأذكر أن أحد الشعراء الذين كانوا يحسدون شهرة نزار وشعره قال ذات يوم:
"لقد اشتهر نزار لأن كاظم الساهر غنى له".
لاشك في أن غناء كاظم من شعر نزار أضاف شريحة من المستمعين عريضة، ولكن نزار بحد ذاته هو الذي كان إضافة كبيرة للغناء العربي والقصيدة العربية، وكل من غنى له غنى ليستفيد من هذا العالم الذي يختصر بكلمتين: نزار قباني.
أحيا فحيوه
لأن نزار قباني أحيا الغناء العربي، وأسهم في رفع سويته من خلال قصائد ملحنة وموسيقية أرادوا أن يقدموا إليه التحية في ذكرى رحيله العاشرة، وفي أحضان أمه التي أحبها دمشق، وفي قلعتها التي تغنى بها وعاشت أمجاد المدينة عبر عمرها الطويل.
تحية إلى نزار
وتحية إلى الفنانين العرب الذين جاؤوا من كل مكان للمشاركة في تكريم دمشق وابنها المدلل والذي أمضى حياته لتدليلها وحبها.
المصدر: الوطن السورية